والحق أن هذا لا يلزم الزمخشري؛ لأن المشتق قد يشتهر اشتهارا تاما ويخفى المشتق منه، إذ لا تلازم بينهما في الاشتهار؛ لأن الاشتقاق أمر اعتباري لا يعرفه إلا أهل الصناعة، وأما تبادر الفهم إلى معنى اللفظ.. فهو أمر بديهي يعرفه الخاص والعام بالسليقة من غير تكلف؛ وحينئذ لا يلزم على كلام الزمخشري شيء مما ألزمه، وإنما غاية ما فيه: أن شأن المعنى الحامل على الاشتقاق أو المقتضي له الاطراد، والدعاء هو الأمر الظاهر المطرد؛ فكان اعتباره في الاشتقاق أولى وأظهر.
وللصلاة معان أخر استعملت فيها، لكنها ترجع إلى ما مر كالاستغفار، ومنه: «إني بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم» «2» أي: أستغفر لهم، كما في رواية أخرى. والبركة، ومنه: «اللهم؛ صل على آل أبي أوفى» «3» .
والقراءة، ومنه: ولا تجهر بصلاتك، والرحمة، والمغفرة.
والحاصل: أن معناها يختلف بحسب حال المصلي، والمصلى له، والمصلى عليه، كما يأتي قريبا. PageV01P039
[الفائدة] الثالثة:
اختلفوا في معنى الصلاة من الله تعالى ومن ملائكته على نبيه صلى الله عليه وسلم على أقوال:
- فقيل: هي منه تعالى ثناؤه عليه عند ملائكته وتعظيمه، ورواه البخاري عن أبي العالية، وغيره عن الربيع بن أنس، وجرى عليه الحليمي فقال في «شعب الإيمان» ما حاصله: (هي في اللسان التعظيم، وسميت بها ذات الأركان لما فيها من حني الصلا، وهو وسط الظهر؛ لأن انحناء الصغير به للكبير تعظيم منه له عادة، ثم سموا قراءتها صلاة أيضا؛ لأن جميع ما اشتملت هي عليه من نحو قيام وقعود إنما أريد به تعظيم الرب، ثم توسعوا فسموا كل دعاء صلاة؛ لأن فيه تعظيم المدعو بالرغبة إليه، والمدعو له بابتغاء ما ينبغي له.
ومعنى «الصلوات لله» أي: الأذكار المراد بها تعظيمه، والاعتراف له بجلالة القدر وعلو المرتبة.. مستحقة له، لا تليق بأحد سواه.
فمعنى «اللهم صل على محمد» : اللهم عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وإجزال أجره ومثوبته، وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود، وتقديمه على كافة المقربين الشهود) اه «1»
وتفسير (صل عليه) بالتعظيم لا ينافي عطف آله وأصحابه عليه في ذلك؛ لأن تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به.
- وقيل: رحمته، ونقله الترمذي عن الثوري وغير واحد من أهل العلم، ونقل عن أبي العالية أيضا، وعن الضحاك، وجرى عليه المبرد وابن الأعرابي، والإمام الماوردي وقال: (إن ذلك أظهر الوجوه) ، والفخر الرازي والآمدي، والزمخشري حيث قال: (لما كان من شأن المصلي أن PageV01P040
ينعطف في ركوعه وسجوده.. استعير لمن ينعطف على غيره حنوا عليه وترؤفا، كعائد المريض في انعطافه عليه، والمرأة في حنوها على ولدها، ثم كثر حتى استعمل في الرحمة والترؤف، ومنه قولهم: «صلى الله عليك» أي: ترحم وترأف) اه «1» ، والراغب حيث قال: (هي التزكية) «2» .
وأخرج الطبراني في «الأوسط» و «الصغير» حديثا يومىء إليه، وهو:
«قلت: يا جبريل؛ أيصلي ربك جل ذكره؟ قال: نعم، قلت: ما صلاته؟
قال: سبوح قدوس، سبقت رحمتي غضبي» «3» ، وهذا السياق صريح في أن (سبوح قدوس) من كلامه تعالى؛ تنزيها لنفسه بنفسه، ولا بعد فيه، وكأنه أعجم على من زعم أنه من كلامه صلى الله عليه وسلم قدمه تنزيها بين يدي إخباره بصلاته تعالى على عبيده؛ حذرا من أن يتوهم منه ما لا يليق به تعالى.