. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الآمدي: هو اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - في عصر ما على حكم واقعة من الوقائع.
وقال القرافي: هو اتفاق أهل الحل والعقد من هذه الأمة في أمر من الأمور.
قال: ونعني بالاتفاق الاشتراك، إما في القول، أو الفعل، أو الاعتقاد. وبأهل الحل والعقد: المجتهدين في الأحكام الشرعية، وبأمر من الأمور: الشرعيات، والعقليات، والعرفيات.
قوله: «وأنكر قوم جوازه» أي
: جواز الإجماع
من مجتهدي الأمة على حكم «عقلا» أي: لا يجوز ذلك في العقل أن يتفقوا على حكم واقعة، وهو قول الأقلين.
قوله: «وهو» أي: جواز اتفاقهم على حكم ما «ضروري» أي: معلوم بالضرورة، وهو قول الأكثرين من الأصوليين، لأنه لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته، ولا لغيره، وهذا هو المعني بالجواز العقلي.
قوله: «فإنكاره» أي: حيث ثبت أن جواز وجود الإجماع ضروري، فإنكار جوازه «عناد» لأن النزاع في الضروريات عناد.
نعم. هؤلاء استبعدوا وقوعه مع كثرة العباد وتباعد البلاد واختلاف القرائح، فظنوا الاستبعاد استحالة.
قوله: «ثم الوقوع يستلزمه» هذا دليل آخر على جواز وقوعه.
وتقريره: أن الإجماع قد وقع، والوقوع يستلزم الجواز، أي: يدل عليه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالالتزام، لأن الجواز للوقوع، ووجود الملزوم يدل على وجود اللازم، أما وقوع الإجماع «فكالإجماع على الصلوات الخمس، وأركان الإسلام» الخمس، وهي الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، فإنه لا خلاف بين المسلمين في وجوب ذلك، وواجبات كثيرة، وأحكام أجمع عليها المسلمون، وفيها لا يختلفون.
فإن قيل: إنما تثبت هذه الأشياء بالتواتر، لا بالإجماع.
قلنا: الإجماع عليها ثابت، لا نزاع فيه، وأما التواتر فيها، فهو مستند الإجماع، أو أنها ثبتت بالتواتر والإجماع معا، أو مرتبا، لما تواترت أجمع عليها، أو لما أجمع عليها، تواترت، وكيفما كان، فالإجماع فيها ثابت، وبه يحصل المقصود.
وأما أن الوقوع يستلزم الجواز، فلما بيناه من أنه لا يقع إلا ما هو جائز الوقوع.
قوله: «ثم مع وجود العقل، ونصب الأدلة، ووعيد الشرع الباعث على البحث والاجتهاد، وقلة المجتهدين بالنسبة إلى الأمة كيف يمتنع! هذا دليل آخر على جوازه، على سبيل التقريب والتسهيل له.
وتقريره: أن هاهنا أمورا لا يمتنع معها وقوع الإجماع:
أحدها: وجود العقل في المجتهدين.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: نصب أدلة الشرع على الأحكام.
والثالث: وعيد الشرع الباعث على البحث والاجتهاد، والنظر في استخراج الأحكام، كقوله - عز وجل -: انظروا {أولم ينظروا} [الأعراف: 7 و185] ، ونحوه من الأوامر بالنظر، وهو عام في النظر في الأصول والفروع، والعقل يضطر صاحبه مع الوعيد على ترك الاجتهاد إلى النظر، ويستعين على درك الحق بنصب الأدلة عليه، فيسهل عليه إدراكه، خصوصا مع قلة المجتهدين بالنسبة إلى مجموع الأمة، وهو الأمر الرابع من الأمور المذكورة، فإن مجتهدي كل عصر بالنسبة إلى مجموع أهل ذلك العصر قليل جدا، بحيث إن الإقليم العظيم، الطويل العريض، لا يوجد فيه من المجتهدين إلا الواحد بعد الواحد، فبان بما ذكرناه أن مع تحقق هذه الأمور، لا يمتنع وقوع الإجماع.