الظاهر،
ولا مانع منه، إذ الاشتقاق المذكور يجمعهما.
قوله: «والكلام نص وظاهر ومجمل» .
قلت: انتهى ما كان اتفق ذكره من كليات مباحث العربية ومقدماتها، والكلام من الآن في مباحث أصولية، أعني: شأنها في العادة أن تذكر في الأصول، وإن كان موضوعها الألفاظ، فهي كأنها ذات وجهين: من جهة العادة أصولية، ومن جهة التحقيق لغوية.
ووجه انحصار الكلام في النص والظاهر والمجمل: هو أن اللفظ إما أن يحتمل معنى واحدا فقط، أو يحتمل أكثر من معنى واحد، والأول النص، والثاني: إما أن يترجح في أحد معنييه أو معانيه، وهو الظاهر، أو لا يترجح، وهو المجمل.
قوله: «فالنص لغة: الكشف والظهور» إلى آخره.
أي: النص في اللغة هو ما ذكر «ومنه: نصت الظبية رأسها، أي: رفعته وأظهرته، ومنه: منصة العروس» : وهو الكرسي الذي تجلس عليه لظهورها عليه.
قلت: النص في اللغة: هو الرفع إلى غاية ما ينبغي. قال الجوهري: قولهم نصصت ناقتي، قال الأصمعي: النص: السير الشديد حتى يستخرج أقصى ما
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عندها، قال: ولهذا قيل: نصصت الشيء: رفعته، ومنه منصة العروس، ونصصت الحديث إلى فلان، أي: رفعته، ومنه قول امرئ القيس:
وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل
قوله: «واصطلاحا» ، أي: والنص في اصطلاح الفقهاء والأصوليين هو الصريح في معناه. والصريح: الخالص من كل شيء، ومعنى كون النص هو «الصريح في معناه» : كونه خالص الدلالة عليه، لا يشوبه احتمال دلالة على غيره.
وقيل: هو «ما أفاد بنفسه من غير احتمال» ، فقوله: ما أفاد بنفسه: احتراز مما لا يفيد بنفسه، بل بانضمام غيره إليه، كالقرينة في المجاز والمشترك، والبيان في المجمل.
وقوله: «من غير احتمال» : احتراز مما أفاد بنفسه مع احتمال غير ما أفاده، كالظاهر على ما قد ذكر فيه، وهذان التعريفان للنص معناهما واحد.
واعلم أن للعلماء في النص ثلاثة اصطلاحات:
أحدها: ما دل على معنى قطعا، ولا يحتمل غيره قطعا، كأسماء الأعداد نحو: أحد، اثنين، ثلاثة.
والثاني: ما دل على معنى قطعا، وإن احتمل غيره، كصيغ الجموع في العموم، تدل على أقل الجمع قطعا، مع احتمالها الاستغراق.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثالث: ما دل على معنى كيف كان.
ومأخذ هذه الاصطلاحات: أن من لاحظ معنى النص لغة حمل عليه الاصطلاح الأول، لأنه بلغ منتهى البيان وغايته، ولهذا قال القاضي أبو يعلى في «العدة» : النص، قيل: ما رفع في بيانه إلى أقصى غايته، ومنه منصة العروس، لأنها ترفع على سائر النساء.
ومن لاحظ أصل الظهور والارتفاع، حمل عليه الاصطلاح الثالث.
ومن توسط بينهما، حمل عليه الاصطلاح الثاني.
قلت: الأول أشبه باللغة، وهو مراد أصحابنا بقولهم: نص عليه أحمد، أو هو منصوص أحمد، والثالث هو الغالب في استعمال الفقهاء في الاستدلال، حيث يقولون: لنا النص والمعنى، ودل النص على هذا الحكم.
قوله: «وحكمه» ، أي: وحكم النص، أي: قضاء الشرع فيه «أن لا يترك إلا بنسخ» ، وذلك لأن النسخ رافع لحكم المنسوخ، نصا كان أو غيره، أما مع عدم النسخ ونصوصية اللفظ، فتركه يكون عنادا ومراغمة للشرع، فيدخل تاركه على هذا الوجه في قوله تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} [طه: 134] ، إلى قوله تعالى: {كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} [طه: 136] ، وأشباهها من الآيات، وإن لم يكونا سواء من كل وجه إلا أن بينهما قدرا مشتركا، وهو الترك مراغمة واجتراء على الشرع.