وإنما يتفاضل الكلام والشعر بحسن العبارة والديباجة ورونق الفصاحة، حتى تكون ألفاظهما كالزجاجة، وإلا فالمعاني معرضة لكل جيل من أهل التوحيد والشرك، حتى للزنج والتتر والترك؛ لكنهم قصرت بهم ألسنتهم عن بلوغ ما راموه من أرب، قد تهيأ على ألسنة العرب وأقل ما يجب على المتكلم البيان لمخاطبه، وإلا كان كخابط الليل وحاطبه، يخاطب العربي بالعجمية، ويخاطب العجمي بالعربية، وصناعة الشعر أشد حصرا وأمد عصرا، PageV01P157
وذلك أن الشاعر إنما هو راغب، أو راهب، أو معاتب بين يدي ملك؛، فإن حكى عن نفسه وإلا كان جديرا بأن يهلك.
فان كان الشاعر مخاطبا من دون الملك الأشم بما لا يفهم، وكان راغبا في درهم، كان ذلك سببا لبطلان حاجته، وغيض (1) مجاجته (2) واستهجان شعره، وتحقير أمره والقدماء في هذا أعذر لأنها لغتهم (3).
وقد أطال السيوطي (رح) في المزهر في بيان طبقات الشعراء لا حاجة بنا الى ذكرها (4).
وبسط القول السيد غلام علي بن السيد نوح البلجرامي (رح) في مدح الشعر وجواب ذاميه في أول كتابه (تسلية الفؤاد من قصائد آزاد) (5) بسطا حسنا، وكلاما لطيفا، من شاء فليرجع إليه، وسأبسطه إن شاء الله تعالى في كتابي (مراتع الغزلان في ذكر أدباء الزمان).
الخمسون: في معرفة أغلاط العرب
عقد له ابن جني بابا في كتاب الخصائص قال فيه: كان أبو علي يرى وجه ذلك، ويقول: إنما دخل هذا النحو كلامهم؛ لأنهم ليست لهم أصول يراجعونها، ولا قوانين يستعصمون بها؛ وإنما (79/ ... ) تهجم بهم طباعهم على ما ينطقون به فربما استهواهم الشيء فزاغوا به عن القصد فمن ذلك مالك الموت موضع ملك الموت (6) في قول الشاعر:
فمالك موت بالقضاء دهاني (7)
فإن قلت: من أين لهذا الأعرابي مع جفائه، وغلظ طبعه معرفة التصريف حتى يبني من ظاهر لفظ ملك فاعلا، ويقول: مالك؟
قيل: هبه لا يعرف التصريف، ألا تراه لا يحسن بطبعه، وقوة نفسه، ولطف حسه هذا القدر! هذا ما لا يجب أن يعتقده عارف بهم، أو آلف لمذاهبهم، لأنه وإن لم يعلم حقيقة PageV01P158
تصريفه بالصنعة، فإنه يجدها بالقوة، وأنهم يلاحظون بالمنة (1) والطباع ما لا نلاحظه نحن على طول المباحثة والسماع (2).
ومن ذلك همزهم مصائب وهو غلط منهم، ومن أغلاطهم قولهم حلأت السويق، ورثأت زوجي بأبيات واستلأمت الحجر، ولبأت بالحج (3).
ومنها إدمانة موضع أدماء في قول ذي الرمة والرجل آدم ولا يقال أدمانه (4) ومنها دومت في الأرض والصحيح دوي (5).
وقال ابن فارس: ما جعل الله الشعراء معصومين يوقون الغلط والخطأ، فما صح من شعرهم فمقبول، وما أبته العربية وأصولها فمردود (6) كقوله:
ألم يأتيك والأنباء تنمي (7)
وقوله: لما جفا إخوانه مصعبا (8)
وقوله: قفا عند مما تعرفان ربوع (9)
فكله غلط وخطأ وقد استوفينا ما ذكرت الرواة أن الشعراء غلطوا فيه في كتاب "خضارة " وهو كتاب نقد (10) الشعر (11). PageV01P159
وبسط في المزهر القول في أمثلة ذلك من الأشعارثم قال: ويلحق بهذا أكاذيب العرب وقد عقد لها أبو العباس المبرد بابا في الكامل ثم ذكر بعض الأكاذيب للتمثيل، وقال: قال التوزي: سألت أبا عبيدة عن مثل هذه الأخبار من أخبار العرب فقال: إن العجم تكذب أيضا، فتقول: كان رجل نصفه من نحاس ونصفه من رصاص، فتعارضها العرب بهذا وما أشبهه (1).