[مقدمة الكتاب]
{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي من علينا بتبيين الأحكام للسائلين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد القائل «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» وعلى آله وأصحابه وجميع التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول الراجي شفاعة جده سيد قريش مفتي السادة المالكية بمحروسة مصر المعزية محمد عليش - عامله الله بجزيل إكرامه، وأفاض عليه سجال فضله وإنعامه -: إن أولى ما يشتغل به العاقل اللبيب، ويحتاج إليه الكامل الأريب التفقه في دينه والاجتهاد في توضيحه وتبيينه، ولما كانت الفتوى مما لا يستغنى عنها في جميع الأزمان، ومن أهم ما يعتنى وأجل ما يقتنى لنوع بني الإنسان قيدت ما وقع لي من الأسئلة والأجوبة وجمعتها ورتبتها على أبواب الفقه بعد أن هذبتها ونقحتها، وسميتها ب (فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك) راجيا من الله - سبحانه وتعالى - التوفيق للصواب، سائلا منه تعالى أن يثيبنا دار الفضل والثواب، وأن ينفع بها الطلاب ويجعلها عمدة لأولي الألباب إنه ولي الإجابة وإليه الإنابة.
[مسائل العقائد]
[الإيمان بقضاء الله وقدره]
مسائل العقائد (ما قولكم) في مسألة وهي أن من المعلوم أن مذهب أهل السنة الإيمان بقضاء الله وقدره خيره وشره حلوه ومره ولا يحتج بذلك وأن القدرية يحتجون بذلك مع أنه روي أن موسى - عليه الصلاة والسلام - قال لآدم - عليه الصلاة والسلام - أنت الذي كنت سببا في خروجنا من الجنة، فقال له آدم ذلك بقضاء الله تعالى وقدره فسكت موسى، وقال سيدنا محمد - عليه الصلاة والسلام - «حج آدم موسى» وأيضا حكي أن بعض العارفين وعظ الشرف المناوي حتى أبكاه فأنشأ الشرف يقول:
يا ذا الذي آنسني وعظه ... أنسيت ما قدر في الماضي
إن الذي ساقك لي واعظا ... هو الذي صيرني عاصي
والله ما قصدي سوى قربه ... فاختار أن يعكس أغراضي
وما نسب لإبراهيم بن أدهم: اللهم لم آت الذنوب جرأة عليك ولا استخفافا بحقك ولكن جرى بذلك قلمك ونفذ به حكمك والمعذرة إليك وقال أبو العباس الحريثي: من نظر إلى الخلق بعين الشريعة مقتهم ومن نظر لهم بعين الحقيقة عذرهم، فهذه كلها توهم الاحتجاج بالقضاء والقدر فما الجواب؟
فأجبت بما نصه: " الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله معنى قولنا لا يحتج بالقضاء والقدر أنهما لا يحتج بهما في رفع الأحكام الشرعية وإسقاط التكاليف المبنية على الكسب الثابت للعبد وعندنا للعبد كسب كلف به، وهذا لا ينافي اعترافنا بالجبر باطنا وأن الله تعالى خالق لجميع أفعال العبد فمذهبنا وسط بين مذهب الجبرية والقدرية خرج من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين وجواب آدم - عليه الصلاة والسلام - ليس احتجاجا لرفع تكليف وإنما هو تأديب في البرزخ لولده موسى - عليه الصلاة والسلام - بأن اللائق بالولد أن ينظر لجهة عذر والده كما أفاد ذلك شيخ مشايخنا خاتمة المحققين الأمير في حواشي الجوهرة وكلام الشرف ليس احتجاجا لرفع تكليف أيضا وإنما هو تروح.
وكلام ابن أدهم ليس احتجاجا لرفع تكليف أيضا إنما هو استشفاع واستعطاف كما هو ظاهر وكلام أبي العباس هو عين تقرير العقيدة من أن العبد له كسب ظاهر بنيت عليه التكاليف من نظر له باعتباره حكم عليه بالحدود والتعازير وليس له تأثير في شيء ما ومن نظر له باعتباره عذره باطنا ولم يحقد عليه قال المحقق الأمير: