صفة الإرادة
(الصفة الخامسة) : ما أشار إليها بقوله (إرادة) بإسقاط حرف العطف على ما مر، أي ويجب له - تعالى - صفة الإرادة، ويرادفها المشيئة، وهما عبارتان عن صفة في الحي، توجب تخصيص أحد المقدورين في أحد الأوقات بالوقوع مع استواء نسبة القدرة إلى الكل، قال علماء الكلام: نسبة الضدين إلى القدرة سواء، إذ كما يمكن أن يقع بقدرته - تعالى - أحد الضدين، يمكن أن يقع به الضد الآخر، ونسبة كل منهما إلى الأوقات سواء، إذ كما يمكن أن يقع في وقته الذي وقع فيه، يمكن أن يقع قبله أو بعده، فلا بد من مخصص يرجح أحدهما على الآخر، ويعين له وقتا دون سائر الأوقات، وهذا المخصص هو الإرادة، وهي واحدة قديمة أزلية باقية، إذ لو كانت حادثة، لزم كونه محلا للحوادث، وأيضا لا حاجة إلى إرادة أخرى، وهي شاملة لجميع الكائنات ; لأنه - تعالى - موجد لكل ما يوجد من الممكنات، ولأنه - تعالى - فاعل بالاختيار، فيكون مريدا لها ; لأن الإيجاد بالاختيار يستلزم إرادة الفاعل. ويأتي تتمة الكلام عند ذكر متعلق القدرة والإرادة إن شاء الله، تعالى.
صفة العلم
(الصفة السادسة) : ما أشار إليها بقوله (و) يجب له - عز وجل - (علم) ، أي يجب الجزم بأنه - تعالى - عالم بعلم واحد وجودي قديم باق ذاتي، ينكشف به المعلومات عند تعلقه بها، وإنما قلنا بأن علمه كسائر صفاته - تعالى - للرد على الحكماء القائلين بنفي الصفات وإثبات غايتها، وللرد على المعتزلة
القائلين بأنه يعلم بالذات، لا بصفة زائدة عليها، والدليل على أن صفاته زائدة على ذاته ورود النصوص بأنه - تعالى - عالم وحي وقادر ونحوها، وكونه عالما يعلل بقيام العلم به في الشاهد، فكذلك في الغائب، وقس عليه سائر الصفات، وأيضا فالعالم من قام به العلم، والقادر من قامت به القدرة 0 فإن قيل: قياس الغائب على الشاهد فقهي، فالجواب أنه ليس كذلك، بل هو قياس في الجملة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العقيدة الأصفهانية، عن الإمام الرازي في كتابه نهاية الحقول، قال نفاة الصفات: إن ذات الله لو كانت موصوفة بصفات قائمة بها، لكانت الحقيقة الإلهية مركبة من تلك الذات، ومن تلك الصفات، ولو كانت كذلك لكانت ممكنة ; لأن كل حقيقة مركبة فهي محتاجة إلى أجزائها، وكل واحد من أجزائها غيرها، فإن كل حقيقة مركبة فهي محتاجة إلى غيرها، وذلك في حق الله - تعالى - محال، فإذن يستحيل اتصاف ذاته بالصفات. وقال الرازي في الجواب عن هذا: قوله يلزم من إثبات الصفات وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية، فتكون تلك الحقيقة ممكنة، قلنا: إن عنيتم به احتياج تلك الحقيقة إلى خارجي فلا يلزم؛ لاحتمال استناد تلك الصفات إلى الذات الواجبة لذاتها، وإن عنيتم توقف الصفات في ثبوتها على الذات المخصوصة، فذلك مما نلتزمه، فأين المحال؟ وأيضا فعندكم الإضافات صفات وجودية في الخارج، فيلزمكم ما ألزمتمونا 0 ثم قال الرازي: ومما يبين فساد عقول الفلاسفة في قولهم: الشيء الواحد لا يكون مؤثرا وقابلا، أنهم اتفقوا على أن الله عالم بالكليات. واتفقوا على أن العلم بالشيء عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم في العالم، واتفقوا على أن صور المعلومات مودعة في ذات الباري - تعالى - حتى إن ابن سينا قال: إن تلك الصورة إذا كانت داخلة في الذات بل كانت من لوازم الذات، لم يلزم منها محال، وإذا كان كذلك، فذاته مؤثرة في تلك الصور وقابلة لها، ومن كان ذلك مذهبا له، كيف يمكنه إنكار الصفات؟ .