فإن قلت: إذا كان علم الكلام بالمثابة التي ذكرت، والمكانة التي عنها برهنت، فكيف ساغ للأئمة الخوض فيه، والتنقيب عما يحتويه؟ ثم إنك أتيت ما عنه نهيت، وحررت ما عنه نفرت، وهل هذا في بادئ الرأي إلا مدافعة، وجمع للشيئين اللذين بينهما تمام الممانعة، قلت: إن ما ذهب إليه وهلك من التمانع لممتنع، وما سنح في خلدك من التدافع لمندفع، بل العلم الذي نهينا عنه غير الذي ألفنا فيه. والكلام الذي حذرنا منه غير الذي صنف فيه كل إمام وحافظ وفقيه. فعلم الكلام الذي نهى عنه أئمة الإسلام هو العلم المشحون بالفلسفة والتأويل، والإلحاد والأباطيل، وصرف
الآيات القرآنية عن معانيها الظاهرة، والأخبار النبوية عن حقائقها الباهرة، دون علم السلف ومذهب الأثر، وما جاء في الذكر الحكيم وصحيح الخبر، فهذا لعمري ترياق القلوب الملسوعة بأراقم الشبهات، وشفاء الصدور المصدوعة بتراجم المحدثات، ودواء الداء العضال، وبازهر السم القتال، فهو فرض عين، أو عين فرض على كل نبيه، وهو العلم الذي تعقد عليه الخناصر لدحض حجة كل متحذلق وسفيه. فزال هذا الإشكال، والله ولي الإفضال.
[الباب الأول في معرفة الله تعالى وتعداد الصفات]
أول الواجبات معرفة الله
الباب الأول في معرفة الله - تعالى - وما يتعلق بذلك من تعداد الصفات التي يثبتها المتكلمة كالسلف وأسمائه - تعالى - وكلامه وغير ذلك
((أول واجب على العبيد ... معرفة الإله بالتسديد))
((بأنه واحد لا نظير ... له ولا شبه ولا وزير))
((صفاته كذاته قديمة ... أسماؤه ثابتة عظيمة))
((أول واجب على العبيد)) جمع عبد، وله أحد عشر جمعا، جمعها ابن مالك في قوله:
عباد عبيد جمع عبد وأعبد ... أعابد معبوداء معبدة عبد
كذلك عبدان وعبدان أثبتا ... كذاك العبدى وامدد إن شئت أن تمد
قال أبو علي الدقاق: ليس شيء أشرف، ولا اسم أتم للمؤمن من الوصف بالعبودية، قال الشاعر:
لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي
وقال الآخر:
أصم إذا نوديت باسمي وإنني ... إذا قيل لي يا عبدها لسميع
(معرفة الإله) - سبحانه وتعالى - وهي عبارة عن معرفة وجود ذاته - تعالى - بصفات الكمال، فيما لم يزل ولا يزال، دون معرفة حقيقية ذاته وصفاته لاستحالة ذلك عقلا عند الأكثرين، يعني أن العقل يحيل معرفة كنه ذاته. وقوله: أول واجب يعني لنفسه على كل مكلف بالنظر في الوجود والموجود، ووجوب ذلك بالشرع دون العقل ; لأن العقل لا يوجب ولا يحرم، وهذا مذهب أهل السنة. وقالت المعتزلة: وجبت معرفة الله عقلا لا شرعا ; لأنها دافعة للضرر المظنون، وهو خوف العقاب في الآخرة، حيث أخبر جمع كثير بذلك، وخوف ما يترتب في الدنيا على اختلاف الفرق في معرفة الصانع من المحاربات وهلاك النفوس، وتلف الأموال، وكل ما يدافع الضرر المظنون بل والمشكوك واجب عقلا، كما إذا أردت سلوك طريق فأخبرت بأن فيها عدوا أو سبعا، فإنه يجب عليك اجتنابها خوف الوقوع في الهلكة. ورد قولهم بمنع ظن الخوف في الأعم الأغلب، إذ لا يلزم الشعور بالاختلاف، ولا بما يترتب عليه من الضرر ولا بالصانع، وبما رتب في الآخرة من الثواب والعقاب، والإخبار بذلك إنما يصل إلى بعض البعض، وعلى فرض الوصول لا رجحان لجانب الصدق ; لأن التقدير عدم معرفة الصانع، وبعثة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام، ودلالة المعجزات، ولو سلم ظن خوف، فلا نسلم أن تحصيل المعرفة يدفعه ; لأن احتمال الخطأ قائم، فخوف العقاب أو الاختلاف بحاله والعناء زيادة. وفي كتاب الشيرازي (جامع الأنوار لتوحيد الملك الجبار) من الأشعرية أن وجوب معرفة الله بالعقل والشرع معا. والتحقيق وجوب معرفة الباري - جل شأنه - شرعا، وقوله (بالتسديد) أي التقويم