وقد قال الإمام أحمد - رضي الله عنه: رأي فلان ورأي فلان ورأي فلان عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار. وروى ابن عبد البر بسنده، عن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، عن أبيه - رضي الله عنه:
دين النبي محمد آثار ... نعم المطية للفتى الأخبار
لا تعد عن علم الحديث وأهله ... فالرأي ليل والحديث نهار
ولربما جهل الفتى طرق الهدى ... والشمس طالعة لها أنوار.
وقال بعض أهل العلم وأحسن:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس خلف فيه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين النصوص وبين رأي فقيه
كلا ولا رد النصوص تعمدا
حذرا من التجسيم والتشبيه ... حاشا النصوص من الذي رميت به
من فرقة التعطيل والتمويه.
ثم إن الرأي المذموم هو الرأي المجرد الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا قياس جلي، بل هو خرص وتخمين، فهذا الرأي الذي ورد التحذير منه والتنفير عنه، وأما الرأي المستند إلى الاستدلال والاستنباط من النص وحده، أو من نص آخر معه في الأحكام، فهذا من ألطف فهم النصوص وأدقه، وما ورد عن السلف مما يشعر بمدح الرأي وقبوله، فالمراد به هذا، والله أعلم.
[التعريف الثالث في الرأي والتأويل وسبب انتشار البدع]
(الثالث)
الرأي مصدر رأى رأيا مهموز، والجمع آراء، وهو التفكر في مبادئ الأمور ونظر عواقبها وعلم ما تئول إليه من الخطأ والصواب، وأصحاب الرأي عند الفقهاء هم أهل القياس والتأويل، كأصحاب الإمام أبي حنيفة، وأبي الحسن الأشعري. وأصحاب الرأي ضد أصحاب الظاهر من داود وابن حزم ومن نحا نحوهم. وأصحاب التأويل ضد أصحابنا من أتباع المأثور، والمرور كما جاء مع التفويض، واعتقاد التنزيه بأن الله ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.
وكان سبب انتشار البدع وظهورها، وزيادتها ونشورها، المأمون بن هارون الرشيد، واسمه عبد الله، وكنيته أبو العباس، سابع خلفاء بني العباس، وأمه (أمة) ، اسمها مراجل، ولي الخلافة سنة مائة وسبعين، وكان من رجال بني العباس - حزما وعزما، وحلما وعلما، ورأيا ودهاء، وشجاعة وبراعة، وفصاحة وسماحة، إلا أنه كان رافضيا معتزليا قدريا، فهو خبيث الاعتقاد، كبير الفساد والعناد.
وفي سنة مائتين وإحدى عشر أمر أن ينادى: برئت الذمة ممن ذكر معاوية
(رضي الله عنه) بخير، فإن أفضل الخلفاء بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب - رضي الله عنه. وفي سنة مائتين واثنتي عشرة، أظهر المأمون القول بخلق القرآن مضافا إلى تفضيل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على الشيخين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما. فاشمأزت منه النفوس، ودعا الناس لرأيه المعكوس، وكادت الفتن أن تقوم على ساقها. فكف عن ذلك إلى سنة ثمان عشرة، فامتحن الناس بالقول بخلق القرآن، فأجاب من أجاب طوعا وكرها، وامتنع سيدنا الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - ومن امتنع معه من أئمة الحديث، وطلب الإمام أحمد، فهلك المأمون ولم يره الإمام أحمد، ولله الحمد. وكان هلاك المأمون في شهر رجب سنة ثمان عشرة بعد المائتين.
قال العلماء: إن المأمون لما هادن بعض ملوك النصارى - أظنه صاحب جزيرة قبرس - طلب منه خزانة كتب اليونان، وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليه أحد، فجمع الملك خواصه من ذوي الرأي واستشارهم في ذلك، فكلهم أشاروا بعدم تجهيزها إليه إلا مطران واحد، فإنه قال: جهزها إليهم، فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها، وأوقعت بين علمائها.