قال محمد بن يونس: وكان أشبه الناس بوكيع الإمام أحمد بن حنبل - رضوان الله عليهم أجمعين. وكان الإمام أحمد - رضي الله عنه - يخضب بالحناء خضبا ليس بالقاني. واعلم أنه لا شبهة عند أئمة الدين بأن سيدنا الإمام أحمد - رضي الله عنه - إمام السنة، والصابر في المحنة، (ماحي) بنور السنة وإضاءة المتابعة وسنا الوراثة المحمدية أي مذهب أثر (الدجى) ، أي ظلمة البدعة، يقال: دجا الليل دجوا ودجوا، أظلم كأدجى وتدجى، وليلة داجية أي مظلمة، ودياجي الليل حنادسه، فإن إمامنا وسيدنا الإمام أحمد - رضي الله عنه - كسر سورة أهل البدع، وشل جموعهم، ورد كيدهم في صدورهم، وأبقى شجاهم في نحورهم، (الشيباني) نسبة إلى أحد أجداده شيبان المذكور في نسبه، فالإمام أحمد - رضي الله عنه - من صريح ولد إسماعيل، ومن صميم العرب، وكان أبو الإمام أحمد والي سرخس من أبناء الدعوة العباسية، وتوفي وله ثلاثون سنة سنة تسع وسبعين ومائة، وللإمام
أحمد نحو خمس عشرة سنة، فإن أمه حملت به بمرو، وقدمت بغداد وهي حامل به، فوضعته بها، ووليته أمه واسمها صفية، وهي شيبانية أيضا، فإنها صفية بنت ميمون بن عبد الله الشيباني (من بني عامر) ، نزل أبوه بهم فتزوجها، وجدها عبد الملك بن سوادة بن هند الشيباني من وجوه بني شيبان، تنزل به قبائل العرب للضيافة، فحاز إمامنا - رضي الله عنه - شرف النسبين، وكمل له بأصليه تمام الشرفين.
مذهب الإمام أحمد هو مذهب السلف
(فإنه إمام أهل الأثر ... فمن نحا منحاه فهو الأثري)
(فإنه) أي الإمام أحمد - رضي الله عنه - (إمام) وقدوة، (أهل) أي أصحاب (الأثر) ، يعني الذين إنما يأخذون عقيدتهم من المأثور عن الله - جل شأنه - في كتابه، أو في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ما ثبت وصح عن السلف الصالح من الصحابة الكرام، والتابعين الفخام، دون زبالات أهل الأهواء والبدع، ونخالات أصحاب الآراء والبشع، (فمن) أي: أي إنسان من هذه الأمة، (نحا) أي: قصد ويمم، (منحاه) أي: مقصده ومذهبه، وسار بسيرته من اتباع الأخبار واقتفاء الآثار، (فهو) أي: ذلك الذاهب مذهب الإمام أحمد، (الأثري) أي: المنسوب إلى العقيدة الأثرية، والفرقة السلفية المرضية.
ويعرف أيضا بمذهب السلف، وهو مذهب سلف الأمة وجميع الأئمة المعتبرين المقلدين في أحكام الدين، وقد قال الإمام علي بن المديني، وهو شيخ الإمام أحمد وشيخ الشافعي وشيخ البخاري وغيرهم: اتخذت أحمد إماما فيما بيني وبين الله - تعالى، وقال: إذا أفتاني أحمد بن حنبل لم أبال إذا لقيت ربي كيف كان، وقال: أحمد سيدنا، حفظ الله أحمد، هو اليوم حجة الله على خلقه، وقال: إن الله - تعالى - أعز هذا الدين برجلين لا ثالث لهما: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة. وقد قال قتيبة وأبو حاتم: إذا رأيت الرجل يحب الإمام أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة. وقال ابن ماكولا: الإمام أحمد هو إمام النقل، وعلم الزهد والورع. وقال غير واحد من أئمة الدين: الإمام أحمد إمام أهل السنة. وفي قصيدة إسماعيل بن فلان الترمذي:
لعمرك ما يهوى لأحمد نكبة ... من الناس إلا ناقص العقل معور
هو المحنة اليوم الذي يبتلى به ... فيعتبر السني فينا ويسبر
فقا أعين المراق فعل ابن حنبل ... وأخرس من يبغي العيوب ويحفر