وقال ابن الجوزى: حج حججا لا يعلم عددها، وقال ابن الأثير: كان- صلى الله عليه وسلم- يحج كل سنة قبل أن يهاجر. وقال جابر فى حديثه الطويل- كما فى رواية مسلم-: مكث- صلى الله عليه وسلم- تسع سنين لم يحج ثم أذن فى العاشرة؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حاج. فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر، فأرسلت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:
كيف أصنع؟ قال: «اغتسلى واستثفرى بثوب وأحرمى»، فصلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فى المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرت مد بصرى بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شئ عملنا به «1».
وفى رواية عند النسائى: قال جابر: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لخمس بقين من ذى القعدة وخرجنا معه، حتى إذا أتى ذا الحليفة الحديث «2». وكان خروجه- صلى الله عليه وسلم- من المدينة بين الظهر والعصر، فنزل بذى الحليفة، فصلى بها العصر ركعتين، ثم بات بها، وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر.
وكان نساؤه كلهن معه، فطاف عليهن تلك الليلة ثم اغتسل غسلا ثانيا لإحرامه، غير غسل الجماع الأول.
وفى الترمذى، عن خارجة بن زيد عن أبيه: تجرد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لإهلاله واغتسل «3». وفى الصحيحين: أن عائشة طيبته بذريرة «4»، وفى رواية PageV03P456
قالت: كأنى أنظر إلى وبيص الطيب فى مفارقه- صلى الله عليه وسلم- وهو محرم «1»، وفى رواية قالت: طيبته عند إحرامه، ثم طاف فى نسائه، ثم أصبح محرما «2»، زاد فى رواية: ينضح طيبا «3». وفى رواية: طيبته طيبا لا يشبه طيبكم «4»، تعنى ليس له بقاء. وهذا يدل على استحباب الطيب عند إرادة الإحرام، وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام، ولا يضر بقاء لونه ورائحته، وإنما يحرم فى الإحرام ابتداؤه، وهذا مذهب الشافعى وأبى حنيفة وأبى يوسف وأحمد بن حنبل، وحكاه الخطابى عن أكثر الصحابة، وحكاه النووى عن جمهور العلماء من السلف والخلف.
وذهب مالك: إلى منع التطيب قبل الإحرام بما تبقى رائحته بعده، لكنه قال: إن فعل فقد أساء ولا فدية عليه. وعن عائشة قالت: كان- صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمى وأشنان «5»، رواه الدار قطنى. وفى حديث أنس عند أبى داود والترمذى: أنه- صلى الله عليه وسلم- صلى الظهر ثم ركب راحلته، فلما علا على جبل البيداء أهل «6». وفى رواية ابن عمر، عند البخارى ومسلم وغيرهما: ما أهل إلا من عند المسجد «7»، يعنى مسجد ذى الحليفة. PageV03P457
وفى رواية: ما أهل إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره «1». وفى رواية: حين وضع رجله فى الغرز، واستوت به راحلته قائما، أهل من عند مسجد ذى الحليفة. وفى رواية جابر- عند أبى داود والترمذى- أنه- صلى الله عليه وسلم- لما أراد الحج أذن فى الناس فاجتمعوا له، فلما أتى البيداء أحرم «2».
وفى حديث ابن جبير- عند أبى داود- قال: قلت لابن عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فى إهلال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين أوجب!؟ فقال: إنى لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا. خرج- صلى الله عليه وسلم- حاجا فلما صلى فى مسجده بذى الحليفة ركعتيه أوجبه فى مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون إليه أرسالا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا إنما أهل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فلما علا على شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا إنما أهل حين علا على شرف البيداء، وايم الله لقد أوجب فى مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء.