النوع السادس فى ذكر حجه وعمره صلى الله عليه وسلم
اعلم أن الحج حلول بحضرة المعبود، ووقوف بساحة الجود، ومشاهدة لذلك المشهد العلى الرحمانى، وإلمام بمعهد العهد الربانى، ولا يخفى أن نفس الكون بتلك الأماكن شرف وعلو، وأن التردد فى تلك المواطن فخار وسمو، فإن المحال المحترمة لم تزل تفرع على الحال فيها من سجال وصفها بفيض غامر، وحسبك فى هذا ما يحكى فى أبيات عن مجنون بنى عامر:
رأى المجنون فى البيداء كلبا ... فجر عليه للإحسان ذيلا
فلاموه على ما كان منه ... وقالوا لم منحت الكلب نيلا
فقال دعوا الملام فإن عينى ... رأته مرة فى حى ليلا PageV03P453
فينبغى للعبد أن يهتم بأمر الحج ويبادر إليه، وينهض فاتر عزمه إنهاضا يحثه عليه، ولا يتوانى فى غسل أدران سيئات العمر بصابون المغفرة، ولا يتكاسل عن البدار، فيعرضه للفوات بركوب عمياء المخاطرة.
وروى ابن عباس أنه- صلى الله عليه وسلم- قال: «من أراد الحج فليتعجل» «1». رواه أبو داود. وفى حديث على بن أبى طالب، عنه- صلى الله عليه وسلم-: «من ملك راحلة وزادا يبلغه إلى بيت الله الحرام، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا» «2».
الحديث رواه الترمذى. وخطب- صلى الله عليه وسلم- فقال: «أيها الناس: قد فرض الله عليكم الحج فحجوا» «3». رواه مسلم والنسائى من حديث أبى هريرة. وفى رواية النسائى، من حديث ابن عباس مرفوعا: «إن الله كتب عليكم الحج»، فقال الأقرع بن حابس التميمى: كل عام يا رسول الله؟ فقال: «لو قلت نعم لوجبت» «4» الحديث. فوجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة، وقد أجمعوا على أنه لا يتكرر إلا لعارض كالنذر. واختلفوا: هل هو على الفور، أو على التراخى؟ فقال الشافعى وأبو يوسف وطائفة: هو على التراخى، إلى أن ينتهى إلى حال يظن فواته لو أخره عنها. وقال مالك وأبو حنيفة وآخرون: هو على الفور. واختلفوا أيضا فى وقت ابتداء فرضه، فقيل: قبل الهجرة، وهو شاذ، وقيل: بعدها، ثم اختلف فى سنته.
فالجمهور على أنه سنة ست، لأنه نزل فيها قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله «5»، وهذا ينبنى على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض. ويؤيده PageV03P454
قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم النخعى بلفظ «وأقيموا» رواه الطبرى بأسانيد صحيحة عنهم.
وقيل: المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع، وهذا يقتضى تقدم فرضه قبل ذلك. وقد وقع فى قصة ضمام ذكر الأمر بالحج وكان قدومه على ما ذكر الواقدى سنة خمس، وهذا يدل- إن ثبت- على تقدمه على سنة خمس، أو وقوعه فيها.
وقالت طائفة: إنه تأخر نزول فرضه إلى التاسعة والعاشرة. واحتجوا:
بأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصالحهم على أداء الجزية، والجزية نزلت عام تبوك سنة تسع وفيها نزل صدر سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد.
ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا فى أنفسهم بما فاتهم من التجارة مع المشركين لما أنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس «1» الآية، فأعاضهم الله من ذلك بالجزية، ونزول هذه الآيات والمنادات بها إنما كان سنة تسع، وبعث الصديق يؤذن بذلك فى مكة فى موسم الحج، وأردفه بعلى.
وفى الترمذى من حديث جابر، أن النبى- صلى الله عليه وسلم- حج ثلاث حجج، حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر معها عمرة، فساق ثلاث وستين بدنة، ثم جاء على من اليمن ببقيتها، فيها جمل فى أنفه برة من فضة فنحرها «2»، الحديث. وعن ابن عباس: حج- صلى الله عليه وسلم- قبل أن يهاجر ثلاث حجج «3». أخرجه الحاكم وابن ماجه. وهو مبنى على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج، وهذا لا يقتضى نفى الحج قبل ذلك. وقد أخرج الحاكم بسند صحيح إلى الثورى، أن النبى- صلى الله عليه وسلم- حج قبل أن يهاجر حججا «4». PageV03P455