حكم الصلاة على النبي ص
واختلف فى حكم الصلاة عليه- صلوات الله وسلامه عليه- على أقوال:
أحدها: أنها تجب فى الجملة
بغير حصر، لكن أقل ما يحصل به الإجزاء مرة.
الثانى: يجب الإكثار منها، من غير تقييد بعدد،
قاله القاضى أبو بكر ابن بكير من المالكية، وعبارته- كما قاله القاضى عياض-: افترض الله تعالى على خلقه أن يصلوا على نبيه- صلى الله عليه وسلم- ويسلموا تسليما، ولم يجعل ذلك لوقت معلوم، فالواجب أن يكثر المرء منها ولا يغافل عنها.
الثالث: تجب كل ما ذكر،
قاله الطحاوى وجماعة من الحنفية، والحليمى، وجماعة من الشافعية، وقال ابن العربى: إنه الأحوط، وكذا قاله الزمخشرى. واستدلوا لذلك بحديث: (من ذكرت عنده فلم يصل على فمات فدخل النار فأبعده الله) «1» أخرجه ابن حبان من حديث أبى هريرة.
وحديث: (رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصل على) «2» رواه الترمذى من حديث أبى هريرة، وصححه الحاكم. وحديث: (شقى عبد ذكرت عنده فلم يصل على) «3» أخرجه الطبرانى من حديث جابر: لأن الدعاء: ب «الرغم PageV02P651
والإبعاد والشقاء» يقتضى الوعيد، والوعيد على الترك من علامات الوجوب.
ومن حيث المعنى: إن فائدة الأمر بالصلاة عليه مكافأته على إحسانه، وإحسانه مستمر، فتتأكد إذا ذكر.
واستدلوا أيضا: بقوله تعالى: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا «1» فلو كان إذا ذكر لا يصلى عليه كان كاحاد الناس وأجاب من لم يوجب ذلك بأجوبة، منها:
أنه قول لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين، فهو مخترع. ولو كان ذلك على عمومه للزم المؤذن إذا أذن أن يصلى عليه، وكذا سامعه، وللزم القارئ إذا مر باية فيها ذكره- صلى الله عليه وسلم- فى القرآن، وللزم الداخل فى الإسلام إذا تلفظ بالشهادتين ولكان فى ذلك من المشقة والحرج ما جاءت الشريعة السمحة المطهرة بخلافه، ولكان الثناء على الله تعالى كلما ذكر أحق بالوجوب، ولم يقولوا به.
وقد أطلق القدورى وغيره من الحنفية: أن القول بوجوب الصلاة كلما ذكر مخالف للإجماع المنعقد قبل قائله، لأنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة أنه خاطب النبى- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله صلى الله عليك، ولأنه لو كان كذلك لما تفرغ لعبادة أخرى.
وأجابوا عن الأحاديث: بأنها خرجت مخرج المبالغة فى تأكيد ذلك وطلبه، وفى حق من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدنا. وبالجملة: فلا دلالة على تكرر وجوب ذلك بتكرر ذكره- صلى الله عليه وسلم- فى المجلس الواحد، انتهى ملخصا، والله أعلم.