النوع السابع فى آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله «1» وقال تعالى: وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون «2». وقال تعالى: قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين «3». قال القاضى عياض: فجعل طاعته طاعة رسوله، وقرن طاعته بطاعته، ووعد على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب.
وقال تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله «4». يعنى: من أطاع الرسول لكونه رسولا مبلغا إلى الخلق أحكام الله فهو فى الحقيقة ما أطاع إلا الله، وذلك فى الحقيقة لا يكون إلا بتوفيق الله. ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا «5» فإن من أعماه الله عن الرشد وأضله عن الطريق فإن أحدا من الخلق لا يقدر على إرشاده. وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول معصوم فى جميع الأوامر والنواهى، وفى كل ما يبلغه عن الله، لأنه لو أخطأ PageV02P580
فى شىء منها لم تكن طاعته طاعة الله تعالى، وأيضا وجب أن يكون معصوما فى جميع أفعاله، لأنه تعالى أمر بمتابعته فى قوله: واتبعوه»
، والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير، فثبت أن الانقياد له فى جميع أقواله وأفعاله إلا ما خصه الدليل طاعة له، وانقياد لحكم الله تعالى. وقال الله تعالى: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين «2» الآية. وهذا عام فى المطيعين لله من أصحاب الرسول ومن بعدهم، وعام فى المعية فى هذه الدار، وإن فاتت فيها معية الأبدان.
وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية أن ثوبان، مولى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان شديد الحب لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- قليل الصبر عنه، فأتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه، وعرف الحزن فى وجهه، فسأله رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن حاله فقال: يا رسول الله، ما بى وجع، غير أنى إذا لم أرك اشتقتك واستوحشت وحشة عظيمة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة بحيث لا أراك هناك، لأنى إذا دخلت الجنة فأنت تكون فى درجات النبيين، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبدا، فنزلت هذه الآية.
وذكر ابن أبى حاتم عن أبى الضحى عن مسروق، قال أصحاب محمد: يا رسول الله ما ينبغى لنا أن نفارقك، فإنك لو قد مت لرفعت فوقنا ولم نرك، فأنزل الله الآية. وذكر عن عكرمة مرسلا، قال: أتى فتى النبى- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إن لنا منك نظرة فى الدنيا ويوم القيامة لا نراك لأنك فى الجنة فى الدرجات العلى، فأنزل الله هذه الآية فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «أنت معى فى الجنة». وذكر فيها أيضا روايات أخر ستأتى- إن شاء الله تعالى- فى مقصد محبته- صلى الله عليه وسلم-.
لكن قال المحققون: لا ننكر صحة هذه الروايات، إلا أن سبب نزول PageV02P581
هذه الآية يجب أن يكون شيئا أعظم من ذلك، وهو الحث على الطاعة والترغيب فيها، فإنا نعلم أن خصوص السبب لا يقدح فى عموم اللفظ، فهذه الآية عامة فى حق جميع المكلفين، وهو أن كل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية والمراتب الشريفة عنده تعالى.
ثم إن ظاهر قوله تعالى: ومن يطع الله والرسول «1» أنه يكفى الاكتفاء بالطاعة الواحدة، لأن اللفظ الدال على الصفة يكفى فى جانب الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة، لكن لابد أن يحمل على غير ظاهره، وأن تحمل الطاعة على فعل جميع المأمورات وترك جميع المنهيات، إذ لو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الفساق والكفار، لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة.