ومنها: أن شرعه مؤبد إلى يوم الدين،
وناسخ لجميع شرائع النبيين، وأنه أكثر الأنبياء تابعا كما قال- صلى الله عليه وسلم-: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» «2». رواه الشيخان من حديث أبى هريرة. PageV02P352
ومنها: أنه لو أدركه الأنبياء لوجب عليهم اتباعه،
كما سيأتى تقريره- إن شاء الله تعالى-.
ومنها: أنه أرسل إلى الجن اتفاقا،
والدليل على ذلك قبل الإجماع:
الكتاب والسنة، قال تعالى: ليكون للعالمين نذيرا «1»، وقد أجمع المفسرون على دخول الجن فى هذه الآية، وهو مدلول لفظها، فلا يخرج عنه إلا بدليل. وإن قيل إن الملائكة خارجون من ذلك فلا يضر، لأن العام المخصوص حجة عند جمهور العلماء والأصوليين، ولو بطل الاستدلال بالعمومات المخصوصة لبطل الاستدلال بأكثر الأدلة. وقال تعالى فى الأحقاف: أجيبوا داعي الله «2»، فأمر بعضهم بعضا بإجابته دليل على أنه داع لهم، وهو معنى بعثته إليهم، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما السنة، ففى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «فضلت على الأنبياء بست» فذكر منها «وأرسلت إلى الخلق كافة» «3» فإنه يشمل الإنس والجن، وحمله على الإنس خاصة تخصيص بغير دليل فلا يجوز. والكلام فيه كالكلام فى آية الفرقان [1].
فإن قلت: إن قوله: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا «4» وما أرسلناك إلا كافة للناس «5» ظاهر فى اختصاص رسالته- صلى الله عليه وسلم- بالإنس، واحتمال غير ذلك عدول عن الظاهر.
فالجواب: إن هذا إنما يتمشى على مذهب الدقاق القائل بأن مفهوم اللقب حجة، و «الناس» من قبيل اللقب، فإن المسألة المترجمة فى الأصول «بمفهوم اللقب» لا تختص باللقب بل الأعلام كلها وأسماء الأجناس كلها كذلك ما لم تكن صفة. و «الناس» اسم جنس غير صفة فلا مفهوم له. فهذه PageV02P353
الآية ليس فيها أصلا ما يفهم منه أنه ليس رسولا إلى غيرهم إلا على مذهب الدقاق، بل ولا يتم على مذهب التمسك بهذا المفهوم أيضا لأن الدقاق إنما يقول به حيث لم يظهر غرض آخر سواه فى تخصيص ذلك الاسم، وحيث ظهر غرض لا يقول بالمفهوم، بل يحمل التخصيص على ذلك الغرض، والغرض فى الآية التعميم فى جميع الناس، وعدم اختصاص الرسالة ببعضهم، فلا يلزم نفى الرسالة عن غيرهم، لا على مذهب الدقاق ولا على مذهب غيره. وإنما خاطب الناس لأنهم الذين تغلب رؤيتهم والخطاب معهم، فمقصود الآية خطاب الناس، والتعميم فيهم لا النفى عن غيرهم، وهذا إذا قلنا إن لفظ الناس لا يشمل الجن، فإن قلنا إنه يشملهم فواضح.
والخلاف فيه مبنى على الخلاف فى اشتقاق «الناس»، هل هو من النوس، وهو الحركة، أو من الأنس ضد الوحشة؟ فإذا قلنا بالأول أطلق على الفريقين، ولكن استعماله فى الإنس أغلب، فحيث أطلق فالمراد به ولد آدم، وإذا قلنا بالثانى فلا، لأنا لا نبصر الجن ولا نأنس بهم، فدخول الجن فى الآية إما ممتنع وإما قليل فلا يحمل عليه، وبهذا يتبين ضعف الاستدلال بها، لكنها لا تدل على خلافه.
وأما قول الضحاك ومن تبعه: أن الرسل إلى الجن منهم، لقوله تعالى:
معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم
«1» فهو ظاهر الآية، لكن لم يقل الضحاك ولا أحد غيره باستمرار ذلك فى هذه الملة. وإنما محل الخلاف فى ذلك فى الملل المتقدمة خاصة، وأما فى هذه الملة فنبينا محمد، - صلى الله عليه وسلم- هو المرسل إليهم وإلى غيرهم، ولم ينقل أحد عن الضحاك أن رسل الجن منهم مطلقا، ولا ينبغى أن ينسب إليه ما يخالف الإجماع، على أن الأكثرين قالوا: لم تكن الرسل إلا من الإنس، ولم يكن من الجن قط رسول، لكن لما جمعوا مع الجن فى الخطاب صح ذلك. ونظيره: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان «2» وهما يخرجان من الملح دون العذب، وقيل الرسل من الجن PageV02P354