بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
الحمد لله الذى أطلع فى سماء الأزل شمس أنوار معارف النبوة المحمدية، وأشرق من أفق أسرار الرسالة مظاهر تجلى الصفات الأحمدية، أحمده على أن وضع أساس نبوته على سوابق أزليته، ورفع دعائم رسالته على لواحق أبديته.
وأشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له، الفرد المنفرد فى فردانيته بالعظمة والجلال، الواحد المتوحد فى وحدانيته باستحقاق الكمال، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله أشرف نوع الإنسان، وإنسان عيون الأعيان، المستخلص من خالص خلاصة ولد عدنان، الممنوح ببدائع الآيات، المخصوص بعموم الرسالة وغرائب المعجزات، السر الجامع الفرقانى، والمخصص بمواهب القرب من النوع الإنسانى، مورد الحقائق الأزلية ومصدرها، وجامع جوامع مفرداتها ومنبرها، وخطيبها إذا حضر فى حظائر قدسها ومحضرها، بيت الله المعمور الذى اتخذه لنفسه، وجعله ناظما لحقائق أنسه، مدة مداد نقطة الأكوان، ومنبع ينابيع الحكم والعرفان، المفيض من بحر مدد الوفا، على القائل من أهل المعارف والاصطفا، حيث خاطب ذاته الأقدسية «1»، بالمنح الأنفسية، فقال:
فأنت رسول الله أعظم كائن ... وأنت لكل الخلق بالحق مرسل
عليك مدار الخلق إذ أنت قطبه ... وأنت منار الحق تعلو وتعدل
فؤادك بيت الله دار علومه ... وباب عليه منه للحق يدخل PageV01P029
ينابيع علم الله منه تفجرت ... ففى كل حى منه لله منهل
منحت بفيض الفضل كل مفضل ... فكل له فضل به منك يفضل
نظمت نثار الأنبياء فتاجهم ... لديك بأنواع الكمال مكلل
فيا مدة الإمداد نقطة خطه ... ويا ذروة الإطلاق إذ يتسلل
محال يحول القلب عنك وإننى ... وحقك لا أسلو ولا أتحول
عليك صلاة الله منه تواصلت ... صلاة اتصال عنك لا تتنصل
شخصت أبصار بصائر سكان سدرة المنتهى لجلال جماله، وحنت أرواح رؤساء الأنبياء إلى مشاهدة كماله، وتلفتت لفتات أنفس الملأ الأعلى إلى نفائس نفحاته، وتطاولت أعناق العقول إلى أعين لمحاته ولحظاته، فعرج به إلى المستوى الأقدس، وأطلعه على السر الأنفس، فى إحاطته الجامعة، وحضرات حظيرة قدسه الواسعة، فوقفت أشخاص الأنبياء فى حرم الحرمة، على أقدام الخدمة، وقامت أشباح الملائكة فى معراج الجلال، على أرجل الإجلال، وهامت أرواح العشاق فى مقامات الأشواق:
كل إليك بكله مشتاق ... وعليه من رقبائه أحداق
يهواك ما ناح الحمام بأيكة ... أو لاح برق فى الدجى «1» خفاق
شوق إليه لا يزال يديره ... فجميعه لجميعه عشاق
اشتاق القمر لمشاهدته فانشق، فشق مرائر الأشقياء المشاققين، وحن لمفارقته الجذع فتصدع فانصدعت قلوب الأغبياء المنافقين «2».
وبرقت من مشكاة بعثته بوارق طلائع الحقائق، وانقادت لدعوته العامة خاصة خلاصة الخلائق، ولم يزل يجاهد فى الله بصادق عزماته، وينظم أشتات الإسلام بعد افتراق جهاته، حتى كملت كمالات دينه وحججه البالغة، وتمت على سائر أمته الأمية نعمته السابغة، وخير فاختار الرفيق الأعلى، وآثر الآخرة على الأولى، فنقله الله قائما على قدم السلامة، إلى دار PageV01P030
السلام وفردوس الكرامة، وبوأه أسنى مراقى التكريم فى دار المقامة، ومنحه أعلى مواهب الشرف فى اليوم المشهود، فهو الشاهد والمشهود «1»، والمحمود بالمحامد التى يلهمها للحامد المحمود، ذو المنزلة العلية، والدرجة السنية، فى حظائر القدس الأقدسية، والمشاهد الأنفسية، واصل الله عليه فضائل الصلوات، وشرائف التسليم، ونوامى البركات، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأبرار، وصلاة وسلاما لا ينقطع عنهما أمد الأمد، ولا يحصرهما العدد أبد الأبد.