قوله: ((وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه)
حال من الضمير في (لنا) أي: يرجون المغفرة مصرين على الذنب عائدين إلى مثله غير تائبين عنه).
لم يصرح في الكشاف بأن الحال من ماذا.
وقال الطيبي: الحال من الضمير في (ويقولون)، والقول بمعنى الاعتقاد والظن، ولذلك قال: يرجون المغفرة مصرين. اه
وقال الحلبي: إنما جعل الزمخشري الواو للحال للغرض الذي ذكره من أن الغفران شرطه التوبة، وهو رأي المعتزلة، وأما أهل السنة فيجوزون المغفرة مع عدم التوبة. اه
وقال السفاقسي: فيه اعتزال، ولا يرد عليه بأن جملة الشرط لا تكون حالا لأن ذلك جائز.
قال: والظاهر أن هذه الجملة مستأنفة. اه
قوله: (ودرسوا ما فيه) عطف على (ألم يؤخذ) من حيث المعنى فإنه تقرير).
قال الطيبي: أي عطف عليه وإن اختلفا خبرا وطلبا، لأن الاستفهام وارد على التقرير فهو بمنزلة الإخبار عن الثابت فصح العطف لعدم المنافاة. اه
قوله: (على طريقة التمثيل).
أي الاستعارة التمثيلية المركبة من عدة أمور متوهمة، وهذا تبع فيه الزمخشري، وقد قال ابن المنير: قد أجراه قوم على ظاهره وقالوا: لا تترك الحقيقة مع إمكانها.
قلت: والأحاديث الصحيحة مصرحة بذلك.
قوله: (وقيل: لما خلق الله تعالى آدم أخرج من ظهره ذريته كالذر وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق وألهمهم ذلك لحديث رواه عمر).
قلت: هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ، وأحمد في مسنده، والبخاري في تأريخه، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر ابن الخطاب سئل عن هذه الآية
(وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم)
فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون.
فقال الرجل: يا رسول الله ففيم العمل؟
فقال: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار.
قال الإمام: أطبقت المعتزلة على أنه لا يجوز تفسير الآية بالحديث لأن قوله (من ظهورهم) بدل من قوله (من بني آدم)، فالمعنى: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم فلم يذكر أنه أخذ من ظهر آدم شيئا، ولأنه لو كان المراد أنه أخرج من ظهر آدم لما قال (من ظهورهم) بل كان يجب أن يقول: من ظهره وذريته.
ثم أجاب بأن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أخرج الذرية من ظهور بني آدم، وأما أنه أخرج كل تلك الذرية من صلب آدم فليس في لفظ الآية ما يدل على ثبوته ولا على نفيه إلا أن الخبر قد دل فثبت إخراج الذرية من ظهر بني آدم بالقرآن وإخراج الذر من ظهر آدم بالحديث ولا منافاة بينهما فوجب المصير إليهما معا صونا للآية والخبر عن الاختلاف.
وقال الشيخ شهاب الدين التوربشتي: إنما حد المعتزلة في الهرب عن القول في معنى الآية بما يقتضي ظاهر الحديث لكان قوله تعالى (أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) فيقال: إن كان هذا الإقرار عن اضطرار حيث كوشفوا بحقيقة الأمر وشاهدوه عين اليقين فلهم يوم القيامة أن يقولوا: شهدنا يومئذ فلما زال عنا علم الضرورة ووكلنا إلى رأينا كان منا من أصاب ومنا من أخطأ، وإن كان عن استدلال ولكنهم عصموا عنده من الخطأ فلهم أيضا أن يقولوا: أيدنا يوم الإقرار بتوفيق وعصمة وحرمناهما من بعد ولو أمددناهما أبدا لكانت كل شهادتنا في كل حين كشهادتنا في اليوم الأول، فتبين أن الميثاق ما ركب الله تعالى فيهم من المعقول وآتاهم من البصائر لأنها هي الحجة الباقية المانعة لهم عن قولهم (إنا كنا عن هذا غافلين) لأن الله تعالى جعل هذا الإقرار حجة عليهم في الإشراك كما جعل بعث الرسل حجة عليهم في الإيمان بما أخبروا عنه من الغيوب، ولهم في ذلك كلام كثير اكتفينا منه بهذا المقدار والغرض منه توقيف الطالبين على مواضع الإشكال. اه