قال الطيبي: والنظم يساعد عليه، فإنه تعالى لما بين أن الذي أصاب المؤمنين يوم التقى الجمعان إنما أصابهم ليتميز المؤمن المخلص من المنافق فقسمهم أقساما بدأ بذكر المنافقين ثم ثنى بذكر المؤمنين وجعلهم طبقات فذكر من استشهد وصدقوا ما عاهدوا الله عليه واستتبع مدحهم مدح الطبقة الثانية الذين لم يلحقوا بهم فذكر من أوصافهم أنهم الذين استجابوا لله والرسول تعريضا بالمتخلفين، وأنهم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا، ولا فرغ من مدحهم التفت إلى الطبقة الثالثة وقال (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون)، ثم ثلث بذكر الذين محضوا الكفر و واطأت قلوبهم ألسنتهم فقال
(ولا يحزنك الذين يسارعون)
مستطردا لذكر أولياء الشيطان، ثم عاد إلى ما بدأ منه من قوله (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه) توكيدا وتقريرا، ولما أراد أن يذكر اليهود جعل قوله (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله) مخلصا إليه ثم قال (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء). اه
قال أبو حيان: إنما كان المراد بالشيطان على القولين الأولين نعيما أو أبا سفيان لأنه لا يكون صفة والمراد به إبليس، لأنه إذا أريد به إبليس كان إذ ذاك علما بالغلبة كالعيوق. اه
قال الحلبي: وفيه نظر. اه
قوله: (يقعون فيه سريعا).
قال الطيبي: يشير إلى أن (يسارعون) مضمن معنى يقعون، لأن المسارعة تعدى ب (إلى). اه
قوله: (والمعنى: لا يحزنك خوف أن يضروك).
قال الطيبي: يعني ما أوقع فاعل (ولا يحزنك) موصولة لتدل صلتها على علة النهي بل أوقعه ليكني به عن إيصال المضرة لأن من يرغب في الكفر سريعا غرضه مراغمة المؤمنين وإيصال المضرة إليهم قتالهم ويدل عليه إيتاء قوله (لن يضروا الله شيئا) ردا وإنكارا لظن الخوف، وإلى هذا المعنى أشار صاحب المفتاح: ربما جعل ذريعة إلى التنبيه للمخاطب على الخطأ. اه
قوله: (وفي ذكر الإرادة إشعار بأن كفرهم بلغ الغاية أراد أرحم الراحمين أن لا يكون لهم حظ من رحمته).
تبع فيه الكشاف حيث قال: فإن قلت هلا قيل: لا يجعل الله لهم حظا في الآخرة، أي: نصيبا من الثواب، ولهم بدل الثواب عذاب عظيم، وأي فائدة في ذكر الإرادة؟ قلت: فائدته الإشعار بأن الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصا لم يبق معه صارف قط حين سارعوا في الكفر تنبيها على تماديهم في الطغيان وبلوغهم الغاية حتى إن أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم. اه قال الطيبي: السؤال والجواب مبني على مذهبه، والسؤال من أصله غير متوجه لأنه عدول عن الظاهر، فإن قوله (يريد الله ألا يجعل لهم حظا) استئناف لبيان الموجب، كأنه قيل: لم يسارعون في الكفر مع أن المضرة عائدة إليهم؟ فأجيب: أنه تعالى يريد ذلك منهم فكيف لا يسارعون. اه
قوله: (تكريرا للتأكيد).
قال الطيبي: أي هذه الآية والمتلوة قبلها سيان من حيث المعنى، فإن معنى (يسارعون في الكفر) و (اشتروا الكفر بالإيمان) سواء، لأن المسارعة للرغبة والمشتري راغب في المشترى، و (لن يضروا الله شيئا) مقابل لمثله، وقوله (يريد الله ألا يجعل لهم حظا
في الآخرة ... ) إلى آخره تلخيص قوله (ولهم عذاب عظيم). اه
قوله: (أو المفعول الثاني على تقديره مضاف ... ).