وقال الشيخ سعد الدين: لم يعهد التأكيد اللفظي إلا بإعادة اللفظ الأول، ومع ذلك فقد صرحوا بامتناعه قبل الصلة وإن أريد التأكيد من جهة المعنى: عاد المحذور، واحتيج إلى بيان وجه اجتماع الموصولين. ألا ترى إنهم لم يذهبوا في مثل قول الشاعر: فصيروا مثل كعصف مأكول.
إلى أن الكاف تأكيد؟ بل مزيدة - فالأولى أن يقال ههنا: إن كلمة (من) مزيدة، على ما هو مذهب الكسائي، أو موصوفة أو موصولة،
واقعة موقع خبر مبتدأ محذوف.
والجملة: صلة الذين، أي الذين هم من قبلكم.
وذكر الشريف مثله، وزاد في تقدير كونها موصوفة. إنها موصولة بالظرف، وخبر لمبتدأ محذوف، أي الذين هم أشخاص كائنون قبلكم، ثم قالا: ونقل عن صاحب الكشاف هنا سؤال، وهو: أن الموصول بدون الصلة غير مفيد، فكيف يؤكد بمن؟ وأجاب بأنه يفيد مبهما، كاسم الإشارة، ولهذا صح عود الضمير إليه في مثل الذي قام، مع أن الضمير إنما يرجع إلى المفيد. فقيل عليه: إن التأكيد اللفظي لما لم يستبعد في الحرف ففي الموصول أولى. وأجيب بأن وجه الاستبعاد هو أن الموصول لا يتم جزءا إلا بصلة وعائد، فهو وحده بمنزلة جزء من الاسم، كالزاي من زيد.
ولا كذلك الحرف وإن توقف على ذكر شيء فلا يصير معه بمنزلة
كلمة واحدة.
قال الشريف: وأنت خبير بأن جعل الموصولات في الإفادة الاستقلالية دون الحرف خروج عن الإنصاف.
قوله: (كما أقحم جرير في قوله: يأتيم تيم عدي لا أبالكم. تيما الثاني بين الأول وما أضيف إليه).
قال الشيخ سعد الدين والشريف: الإقحام إدخال شيء على شيء بشدة وعنف، يعني أن تيما الأول مضاف إلى عدى المذكور، وتيم الثاني: مقحم بين المضاف والمضاف إليه، كما أقحم اللام في لا أبا لك بين المضاف والمضاف إليه تأكيدا للام الإضافة المقدرة فإن قلت: كيف جاز الفصل بغير الظرف؟ وما وجه حذف التنوين من تيم الثاني؟ قلت: لما تكرر المضاف بلفظه وحركته صار كان الثاني هو الأول من غير فصل، كما في قولك: إن أن زيدا قائم مع امتناع الفصل بين أن واسمها بغير الظرف والتأكيد اللفظي في الأغلب حكمه حكم الأول، وحركته حركته، إعرابية كانت أو بنائية. فكما حذف التنوين من الأول حذف من الثاني، لأنه كأنه باشره حرف النداء. انتهى.
وما ذكره المصنف من أن الثاني مقحم وأن الأول مضاف إلى ما
بعد الثاني هو مذهب سيبويه. وذهب المبرد إلى أن الثاني مضاف لما يليه وأن الأول حذف منه المضاف إليه، لدلالة الثاني عليه، والمراد ياتيم عدى. والبيت: من قصيدة هجا بها جرير عمر بن ب82 لجأ التيمي وتمامه:
لا يوقعنكم في سوءة عمر وأول القصيدة:
هاج الهوى وضمير الحاجة الدكر ... واستعجم اليوم من سلومة الخبر
قوله: (أو مبتدأ خبره: فلا تجعلوا). قال أبو حيان: هذا ضعيف لوجهين، أحدهما أن صلة الذي وما عطف عليها قد مضيا فلا يناسب دخول الفاء في الخبر.
الثاني: أن ذلك لا يتمشى إلا على مذهب أبي الحسن لأن من الروابط عنده تكرار المبتدأ بمعناه. فالذي، مبتدأ وفلا تجعلوا لله أندادا، جملة خبرية، والرابط لفظ (الله) من (لله)، كأنه قيل: فلا تجعلوا له أندادا، وهذا من تكرار المبتدأ بمعناه، ولا يعرف إجازة ذلك إل عن أبي الحسن،
فإنه أجاز أن يقال: زيد قام أبو عمرو إذا كان أبو عمرو كنية لزيد. ونص سيبويه على منع ذلك.