<div dir="rtl" id="book-container">
بسم الله الرحمن الرحيم
رب عونك يا كريم
الحمد لله الحي القيوم إنصافا وعدلا، الكريم العظيم أسماء وفضلا، الذي أرشد إلى العدل ابتداء في دار الدنيا بصوادع آياته، وانتهاء في دار الآخرة بإحضار بيناته.
لم يكتف هنالك بعلمه الحق، وعلم جميع عبيده، عن إحضار كتبه وموازينه وشهوده، بل لم يكتف -وكفي به شهيدا- بأعدل شهود، عن شهادة الأيدي والأرجل والجلود، كما لم يكتف في دار التكليف بما فطر لخلقه من نور العقول، حتى عضد ذلك النور بنور الكتاب، ونور الرسول، فكان ذلك نورا على نور، كما وصفه سبحانه في سورة النور (1)، قطعا لبواطل أعذار المبطلين، وصدعا لقواطع (2) شبه المعطلين، وفي ذلك يقول سبحانه تنبيها على ذلك وتعليلا: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15]. PageV01P169
<div dir="rtl" id="book-container">
ولهذا قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: " ما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسل " (1).
ومن الدليل على ذلك: قوله عز وجل في كتابه المبين، في حق من يعلم أنه من الكاذبين: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة: 111، والنمل: 64].
ومن ألطف ما أمر به رسوله الأمين؛ أن يقول في خطاب المبطلين: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ: 24].
وقد شحن الله تعالى كتبه الكريمة المطهرة بكثير من شبه أعدائه الكفرة الفجوة، وأورد شنيع ألفاظهم وصريحها، ومنكرها وقبيحها، ليرد عليهم مقالتهم، ويعلم المؤمنين معاملتهم، كما قال في محكم الآيات: {قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} [هود: 13]، ولم يمنعه علمه بعنادهم، من الاحتجاج عليهم، وإرسال (2) خير كتاب ورسول إليهم، بل قال مستنكرا الإضراب (3) عن أعدائه من (4) الكافرين: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين} [الزخرف: 5].
ومن أعظم ما أنزل الله تعالى في ذلك، قوله تعالى: {فقولا له PageV01P170
<div dir="rtl" id="book-container">
قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} [طه: 44]، إذ (1) كان هذا بالرفق (2) بفرعون الذى نص الله تعالى على أنه طغى، وعلى أنه أراه آياته كلها، فكذب وأبى، ومن ثم كان اسمه اللطيف الأسنى، ومن (3) أخص أسمائه الحسنى، هذا ما لم يشتد غضبه، نعوذ بوجهه الكريم من غضبه، ومن مقارفه موجبه وسببه، ففي مثل تلك الحال يقول ذو العزة والجلال: {وليجدوا فيكم غلظة} [التوبة: 123].
وفي الحال الأخرى -وهي الغالبة-: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} [الجاثية: 14]، {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: 63]، {وأن تعفوا أقرب للتقوى} [البقرة: 237]، {ويدرؤن بالحسنة السيئة} [الرعد: 22]، {ادفع بالتي هي أحسن} {المؤمنون: 96، وفصلت: 34]، {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} [القصص: 55]، {والذين هم عن اللغو معرضون} [المؤمنون: 3]، {وقولوا للناس حسنا} [البقرة: 83].
ولا دليل على نسخ ذلك وأمثاله، مما وردت به السنة النبوية، ووصفت به الأخلاق المصطفوية، إلا توهم التعارض، ممن خفي عليه حسن اختلاف الأمرين، عند اختلاف الحالين، كما نصره الإمام المهدي (4) في " عقود العقيان في الناسخ والمنسوخ من القرآن " (5). PageV01P171