[فصل الشروط التي يجب توافرها في الطبيب]
(فصل) : والطبيب هو العارف بتركيب البدن ومزاج الأعضاء والأمراض الحادثة فيها وأسبابها وأعراضها وعلامتها والأدوية النافعة فيها والاعتياض عما لم يوجد منها والوجه في استخراجها وطريق مداواتها بالتساوي بين الأمراض والأدوية في كمياتها ويخالف بينها وبين كيفياتها فمن لم يكن كذلك فلا يجعل له مداواة المرضى، ولا يجوز له الإقدام على علاج يخاطر فيه، ولا يتعرض لما لا علم له فيه وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن» .
وينبغي أن يكون لهم مقدم من أهل صناعتهم فقد حكي أن ملوك
اليونان كانوا يجعلون في كل مدينة حكيما مشهورا بالحكمة ثم يعرضون عليه بقية أطباء البلد فيمتحنهم فمن وجده مقصرا في علمه أمره بالاشتغال وقراءة العلم ونهاه عن المداواة.
وينبغي إذا دخل الطبيب على المريض سأله عن سبب مرضه، وعن ما يجد من الألم ثم يرتب له قانونا من الأشربة وغيره من العقاقير ثم يكتب نسخة لأولياء المريض بشهادة من حضر معه عند المريض وإذا كان من الغد حضر ونظر إلى دائه ونظر إلى قارورته وسأل المريض هل تناقص به المرض أم لا؟ ثم يرتب له ما ينبغي على حسب مقتضى الحال ويكتب له نسخة ويسلمها لأهله، وفي اليوم الثالث كذلك، وفي اليوم الرابع كذلك وهكذا إلى أن يبرأ المريض أو يموت، فإن برئ من مرضه أخذ الطبيب أجرته وكرامته، وإن مات حضر أولياؤه عند الحكيم المشهور وعرضوا عليه النسخ التي كتبها لهم الطبيب، فإن رآها على مقتضى الحكمة وصناعة الطب من غير تفريط، ولا تقصير من الطبيب قال: هذا قضي بفروغ أجله، وإن رأى الأمر بخلاف ذلك قال لهم: خذوا دية صاحبكم من الطبيب، فإنه هو الذي قتله بسوء صناعته وتفريطه فكانوا يحتاطون على هذه الصورة الشريفة إلى هذا الحد حتى لا يتعاطى الطب من ليس من أهله، ولا يتهاون الطبيب في شيء منه وينبغي للمحتسب أن يأخذ عليهم عهد أبقراط الذي أخذه على سائر الأطباء ويحلفهم أن لا يعطوا أحدا دواء مضرا، ولا يركبوا له سما، ولا يصفوا سماما عند أحد من العامة، ولا يكذبوا النساء الدواء الذي يسقط الأجنة، ولا للرجال الذي يقطع النسل وليغضوا أبصارهم عن المحارم عند دخولهم على المرضى
ولا يفشوا الأسرار، ولا يهتكوا الأستار، ولا يتعرضوا لما ينكر عليهم فيه.