وأن يكون ذا رأي، وصرامة، وخشونة في الدين عارفا بأحكام الشريعة ليعلم ما يأمر به، وينهى عنه فإن الحسن ما حسنه الشرع، والقبح ما قبحه الشرع لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما استحسنه المسلمون فهو حسن» .
ولا مدخل للعقول في معرفة المعروف، والمنكر إلا بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ورب جاهل يستحسن بعقله ما قبحه الشرع، ويرتكب المحذور، وهو غير ملم بالعلم به، ولهذا المعنى كان طلب العلم فرضا على كل مسلم.
واختلف العلماء هل يكون المحتسب من أهل الاجتهاد
الشرعي أو من أهل الاجتهاد العرفي على، وجهين فالذي ذهب إليه أبو سعيد الإصطخري أن له أن يحمل ذلك على رأيه، واجتهاده فعلى هذا يجب أن يكون المحتسب عالما من أهل الاجتهاد في أحكام الدين ليجتهد برأيه فيما اختلف فيه.
والوجه الثاني - أنه من أهل الاجتهاد العرفي دون الشرعي، والفرق بين الاجتهادين أن الاجتهاد الشرعي روعي فيه أصل ثبت حكمه بالشرع، والاجتهاد العرفي ما ثبت حكمه بالعرف لقوله تعالى {خذ العفو وأمر بالعرف} [الأعراف: 199] ، ويوضح الفرق بينهما بتميز ما يسوغ فيه اجتهاده إذا كان عارفا بالمنكرات المتفق عليها.
[فصل الحسبة واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم]
(فصل) قال الإمام أبو الحسن علي بن محمد الماوردي اعلم أن الحسبة واسطة بين أحكام القضاء، وأحكام المظالم، وهي موافقة لأحكام القضاء من وجهين ومقصرة عنه من وجهين، وزائدة عنه من، وجهين فأما الوجهان في موافقتها لأحكام القضاء فأحدهما جواز الاستعداء إليه، وسماعه دعوى المستعدي على المستعدى عليه في حقوق الآدميين، وليس ذلك على العموم بل مثاله أن يكون فيما يتعلق ببخس أو تطفيف في كيل أو وزن أو غش أو تدليس في مبيع أو ثمن أو تأخير دين مستحق مع المكنة فإنها منكرات ظاهرة، وهو منصوب لإزالتها.
واختصاصها بمعروف بين هو مندوب إلى إقامته؛ لأن موضوع الحسبة إلزام الحقوق، والمعونة على استيفائها.
والوجه الثاني: أن له إلزام المدعى عليه الخروج من الحق الذي عليه إذا، وجب باعتراف، وإقرار مع مكنة، ويسار؛ لأن في تأخيره له منكرا، وتعديا، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «مطل الغني ظلم» .
وأما الوجهان في قصورها فأحدهما قصورها عن سماع الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات كالعقود، والفروض، والفسوخ، والكساوى فلا تسمع الدعاوى فيها إلا بنص صريح يزيد على إطلاق الحسبة فيجوز، ويصير بهذه الزيادة جامعا بين قضاء، وحسبة فيراعى أن يكون من أهل الاجتهاد.
والوجه الثاني - أنها مقصورة على الحقوق المعترف بها أما ما يدخله التناكر، والتجاحد فإنه يقف على سماع البينة، والنظر في الشهود، وذلك راجع إلى القضاة.
وأما الزيادة على أحكام القضاء فأحدها أنه يجوز للناظر فيها أن يتعرض لتصفح ما يأمر به من المعروف، وينهى عنه من المنكر، وإن لم يحضره خصم مستعد، وليس للقاضي أن يتعرض لذلك إلا بحضور خصم يشتكي، ولو تعرض القاضي لذلك خرج عن منصب ولايته، وصار متجوزا في قاعدة نظره.
والثاني: فإن للناظر في الحسبة من سلاطة السلطنة، واستطالة الحماة فيما يتعلق بالمنكرات ما ليس للقضاة؛ لأن الحسبة موضوعة على الرهبة، ولا يكون خروج المحتسب إليها بالسلاطة، والغلظة