[فصل المجاهرة بإظهار الملاهي المحرمة]
((فصل) فأما المجاهرة بإظهار الملاهي المحرمة، مثل الزمر، والطنبور، والعود، والصنج، وما أشبه ذلك من آلات الملاهي فعلى المحتسب أن يفصلها حتى تصير خشبا يصلح لغير الملاهي، ويؤدب على المجاهرة عليها، ولا يكسرها إن كان خشبها يصلح لغير الملاهي فإن لم يصلح لغير الملاهي كسرها، ولا يجوز بيعها، والمنفعة التي فيها لما كانت محظورة شرعا كانت ملحقة بالمنافع المعدومة حسا، وإن كان
الرضاض يعد مالا ففي جواز بيعها قبل الرض وجهان:
أحدهما: الجواز لما فيه من المنفعة المتوقعة، وأظهرهما المنع؛ لأنها على هيئتها آلة الفسق، ولا يقصد بها غيره ما دام ذلك التركيب باقيا، ويجيء الوجهان في الأصنام، والصور المتخذة من الذهب، والخشب، وغيرهما، وتوسط الإمام بين الوجهين فذكر وجها ثالثا، وهو أنها إن اتخذت من جواهر نفيسة صح بيعها؛ لأنها مقصودة في نفسها، وإن اتخذت من خشب، ونحوه فلا، وهذا أظهر عنده، وتابعه الغزالي في الوسيط لكن جواب عامة الأصحاب المنع مطلقا، ويدل عليه حديث جابر بن عبد الله «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الميتة، والخنزير، والخمر، والأصنام.»
[فصل آلة اللعب التي لا يقصد بها المعاصي]
(فصل) وأما آلة اللعب التي ليس يقصد بها المعاصي، وإنما يقصد بها إلف القينات لتربية الأولاد ففيها وجه من وجوه التدبير تفارقه معصية كتصوير ذوات الأرواح، ومشابهة الأصنام، والتمكن منها وجه، والمنع منها وجه بحسب ما تقتضيه شواهد الأحوال يكون إنكاره، وإقراره، قد «دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عائشة - رضي الله عنها - وهي تلعب بالبنات فأقرها، ولم ينكر عليها» .
وحكي أن أبا سعيد الإصطخري من أصحاب الشافعي قلد حسبة بغداد في أيام المقتدر فأزال سوق الداذي، ومنع عنها، وقال لا يصلح إلا للنبيذ المحرم، وأقر سوق اللعب، ولم يمنع منها، وقال قد كانت عائشة - رضي الله عنها - تلعب
بالبنات بمشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا ينكر عليها، وليس ما ذكره في اللعب ببعيد من الاجتهاد، وأما سوق الداذي فالأغلب من حاله أنه لا يستعمل إلا في النبيذ، ويجوز أن يستعمل نادرا في الدواء، وهو بعيد فبيعه عند من يرى إباحة النبيذ جائز لا يكره، وعند من يرى تحريمه غير جائز، ويجوز استعماله في غيره، ومكروه اعتبارا بالأغلب من حاله، وليس منع أبي سعيد لتحريم بيعه عنده، وإنما منع من المظاهرة بإفراد سوقه، والمجاهرة ببيعه إلحاقا بإباحة ما اتفق الفقهاء على إباحة مقصوده ليقع لعوام الناس الفرق بينه، وبين غيره من المباحات، وليس يمتنع إنكار المجاهرة ببعض المباحات، وإلا ما كما تنكر المجاهرة بالمباح من مباشرة الأزواج.
فأما ما لم يظهر من المحظورات فليس للمحتسب أن يبحث عنها، ولا أن يهتك الأستار حذرا من الاستتار بها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإنه من يبد لنا صفحته يقم حد الله عليه» .
ومن شرط المنكر الذي ينكره المحتسب أن يكون ظاهرا فكل من ستر معصية في داره، وأغلق بابه لا يجوز له أن يتجسس عليه إلا أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها مثل من يخبره من يثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها فيجوز له مثل هذه الحال أن يتجسس، ويقدم على الكشف، والبحث حذرا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم، وارتكاب المحظورات.