الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق
تأليف
شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (661 - 728 ه)
[المجلد الأول]
----NO PAGE NO------ PageV00P085
- نفاة المعاني والحكم لا يعتصمون إلا بظاهر من القول من عموم أو استصحاب البراءة
[ ... ] (¬1) الدين ما لم يأذن به الله، وهذا ينكر من الدين ما شرعه الله!
فنفاة المعاني الشرعية والحكم الإلهية الذين لا يعتصمون إلا بظاهر من القول إنما يعتصمون بعمومات فيدخلون فيها ما لم يرده المتكلم، أو باستصحاب حال البراءة الذي هو من أضعف الأدلة، وليس هو دليلا شرعيا في الحقيقة وإنما هو عدم دليل؛ ولهذا تنازع الناس فيه؛ هل يصلح للنفي أو للدفع على قولين:
قيل: تنفى به الأحكام لكن بعد البحث التام عن الناقل بالاتفاق. وقيل: لا ينفى به شيء بل يدفع به قول المثبت، فيصلح للمنع لا للنفي، والمانع لا دليل عليه، والنافي عليه دليل (¬2).
فالمانع مطالب بالدليل؛ كذلك المستمسك بالاستصحاب العدمي المعلوم بالعقل، وأما النافي فهو كالمثبت لا بد له من دليل علم به النفي، والمثبت لا بد له من دليل علم به الإثبات.
وهؤلاء يقولون: المستصحب طالب علم ليس معه علم لا بنفي ولا إثبات، فليس له أن يعتقد موجب الاستصحاب ولا يفتي به ولا يحكم به؛ بل يمسك عن الإثبات كالذي لم يقم معه دليل لا على إثبات ولا نفي (¬3). PageV01P003
- بيان حال السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في اعتبار المعاني والاستدلال بالألفاظ
فنفاة القياس عمدتهم إما الاستصحاب وإما العموم، وأما المخلطون فيه الذين لا يميزون بين صحيحه وفاسده؛ بل يعلقون الأحكام بما رأوه من الصفات الشبهية والمعاني الذي يخطر بقلوبهم أنها مناط الحكم في الشرع من غير دليل يدل على ذلك = فهم يشبهون أهل الخرص والحزر والتكهن الذين يتكلمون بلا دليل، وخير الأمور أوساطها، كما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان من (¬1) اعتبار المعاني التي اعتبرها الله -عز وجل- ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، والاستدلال بالألفاظ التي وتبين مراد الله ورسوله؛ فيعلم مراده باللفظ ويعرف الأسباب والحكم التي علق بها الأحكام بما يدل على ذلك، والمجتهد المصيب له أجران، والمخطئ له أجر، وخطؤه مغفور له (¬2).
والمقصود هنا: أنه اشترط في النذر شرطا بلا دليل، وفرق به ومنع ثبوت الوصف المؤثر وتعليق الحكم به، وهو قصده اليمين الذي يتضمن أنه لم يقصد الجزاء بحال؛ بل قصد أن يلتزمه ليكون لزومه مع كراهة لزومه مانعا له من قصد الملزوم لا موجبا لقصد اللازم. PageV01P004