فصل في معنى "الحي القيوم"
بسم الله الرحمن الرحيم
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من هداه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا، وعلى آله وصحبه وسلم.
فصل
في معنى اسمه "الحي القيوم"
قال الله سبحانه وتعالى: (الله لا إله إلا هو الحى القيوم) (1) .
وقال تعالى: (الم (1) الله لا إله إلا هو الحى القيوم) (2) . وقال تعالى: (*وعنت الوجوه للحى القيوم) (3) . وقد قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره "الحي القيام" (4) . والقيام فيعال، والقيوم فيعول، وفيعال من جنس فعال، وفيعول من جنس فعول، لأن الحرف المضعف يعاقب الحرف المعتل، كقولهم تقضى البازي وتقضض. PageV01P037
والقيوم والقيام من قام يقوم، فهو معتل، فإن عينه واو، فلهذا قيل فيه: فيعال وفيعول، ولو لم يكن في ألفاظه حرف معتل لا ياء ولا واو لقيل: فعال، كما قيل "حماد" و"ستار"، وفعول كما قيل "سبوح" و"قدوس"، والغالب فعول بالفتح، وهو القياس في شرح "قدوس"، ولكن جاءت دلالة اللفظ على غير القياس بالضم سبوح وقدوس وذو الروح.
وقد تبين أن قراءة الجمهور "القيوم" أتم معنى من قراءة "القيام"، فإن فعول وفيعول أبلغ من فعال وفيعال، لأن الواو أقوى من الألف، والضم أقوى من الفتح، وهذا عينه مضمومة، والمعتل منه واو، فهو أبلغ مما عينه مفتوحة والمعتل منه ألف. ودائما في لغة العرب الضم والواو أقوى من الياء والكسرة، والياء والكسرة أقوى من الألف والفتحة، وهكذا هو في النطق، وكذلك في سائر الحركات، فإن المتحرك إلى أسفل كحركة الماء أثقل من المتحرك إلى فوق كالريح والهواء، والمتحرك على الوسط هو الفلك أقوى منهما.
ولهذا كان الرفع لما هو عمدة في الكلام، وهو: الفاعل، والمفعول القائم مقامه، والمبتدأ، والخبر. وكان النصب لما هو فضلة في الكلام، كالمفاعيل وغيرها: المفعول المطلق والمفعول به وله ومعه، والحال والتمييز. وكان الجر لما هو متوسط بين العمدة والفضلة، وهو المضاف إليه، فإنه تضاف إليه العمدة تارة والفضلة تارة، فتقول: قام غلام زيد، وأكرمت غلام زيد.
ولما كانت "كان" وأخواتها أفعالا تستعمل تارة تامة مكتفية بالفاعل، وتارة ناقصة فتحتاج إلى منصوب، كان الرفع فيها مقدما، فإنه العمدة، ولابد منه في النوعين التامة والناقصة.
وأما "إن" وأخواتها فإنها تختص بالجمل الاسمية، لكن أشبهت الأفعال، فصار لها منصوب ومرفوع كالأفعال، ونقصت درجتها عن درجة الأفعال، فقدم منصوبها لذلك، ولأنه أخف، ولأن الخبر يكون غير اسم، مثل الجار والمجرور به، فلا يظهر فيه النصب، بل قد يقدم على الاسم.
وأما باب "ظننت" وأخواتها فإنها أفعال، تستعمل تارة مع الاقتصار على الفاعل، وتارة يذكر معها المفعولات، ولكن تعلق على العمل إذا تصدر ماله صدر الكلام، فلا يعمل ما قبله فيما بعده، مثل لام الابتداء وحروف الاستفهام، وما الناقصة، كقوله تعالى: (لنعلم أى الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (12)) (1) ، وقوله تعالى: (ولقد علموا لمن أشتراه ما له في الآخرة من خلاق) (2) . وتارة تلغى عن العمل إذا قدم المفعولات أو وسط الفعل بينهما، كقولك: "زيد منطلق ظننت"، والإلغاء هاهنا أحسن، وقولك "زيد ظننت منطلق".