في الدين والتأهل للاجتهاد فرضا على الكفاية في كل عصر إذا أمكن اعتماد العوام على الأحكام المنقولة إليهم في كل عصر عمن سبق من المجتهدين في العصر الأول بالنقل المغلب على الظن، أو إذا لم يمكن، الأول ممنوع والثاني مسلم، ولكن لا نسلم امتناع ذلك، وهذا هو الجواب عن الوجه الثاني من المعقول أيضا.
[المسألة السادسة الفتوى بمذهب غيره من المجتهدين]
المسألة السادسة
من ليس بمجتهد، هل تجوز له الفتوى بمذهب غيره من المجتهدين كما هو المعتاد في زمننا هذا؟
اختلفوا فيه: فذهب أبو الحسين البصري وجماعة من الأصوليين إلى المنع من ذلك؛ لأنه إنما يسأل عما عنده لا عما عند غيره، ولأنه لو جازت الفتوى بطريق الحكاية عن مذهب الغير لجاز ذلك للعامي، وهو محال مخالف للإجماع.
ومنهم من جوزه إذا ثبت ذلك عنده بنقل من يوثق بقوله.
والمختار أنه إذا كان مجتهدا في المذهب بحيث يكون مطلعا على مأخذ المجتهد المطلق الذي يقلده وهو قادر على التفريع على قواعد إمامه وأقواله، متمكن من الفرق والجمع والنظر والمناظرة في ذلك (1) كان له الفتوى تمييزا له عن العامي، ودليله انقطاع الإجماع من أهل كل عصر على قبول مثل هذا النوع من الفتوى، وإن لم يكن كذلك فلا. PageV04P236
[المسألة وجد العامي في البلد أكثر من مفتي]
المسألة السابعة
إذا حدثت للعامي حادثة، وأراد الاستفتاء عن حكمها:
فإما أن يكون في البلد مفت واحد أو أكثر:
فإن كان الأول: وجب عليه الرجوع إليه والأخذ بقوله.
وإن كان الثاني: فقد اختلف الأصوليون:
فمنهم من قال: لا يتخير بينهم حتى يأخذ بقول من شاء منهم، بل يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين من الأورع والأدين والأعلم، وهو مذهب أحمد بن حنبل وابن سريج والقفال من أصحاب الشافعي وجماعة من الفقهاء والأصوليين، مصيرا منهم إلى أن قول المفتيين في حق العامي ينزل منزلة الدليلين المتعارضين في حق المجتهد، وكما يجب على المجتهد الترجيح بين الدليلين فيجب على العامي الترجيح بين المفتيين، إما بأن يتحفظ من كل باب من الفقه مسائل، ويتعرف أجوبتها ويسأل عنها، فمن أجابه أو كان أكثر إصابة اتبعه أو بأن يظهر له ذلك بالشهرة والتسامع، ولأن طريق معرفة هذه الأحكام إنما هو الظن، والظن في تقليد الأعلم والأدين أقوى، فكان المصير إليه أولى.
وذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الأصوليين والفقهاء إلى التخيير والسؤال لمن شاء من العلماء، وسواء تساووا أو تفاضلوا، وهو المختار.
ويدل على ذلك أن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين، فإن الخلفاء الأربعة كانوا أعرف بطريق الاجتهاد من غيرهم، ولهذا قال - عليه السلام -: " «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» " (1) ، وقال - عليه السلام -: " «أقضاكم علي، وأفرضكم زيد، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» " (2) وكان فيهم العوام، ومن فرضه الاتباع للمجتهدين والأخذ بقولهم PageV04P237
لا غير، ومع ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة والسلف تكليف العوام الاجتهاد في أعيان المجتهدين، ولا نكر أحد منهم اتباع المفضول والاستفتاء له مع وجود الأفضل، ولو كان ذلك غير جائز لما جاز من الصحابة التطابق على عدم إنكاره والمنع منه، ويتأيد ذلك بقوله - عليه السلام -: ( «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ) (1) ، ولولا إجماع الصحابة على ذلك لكان القول بمذهب الخصوم أولى.