وفي أخرى قال: «ألم أخبر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ليلة؟» فقلت: بلى، يا نبي الله، ولم أرد بذلك إلا الخير، وفيه قال: «فصم صوم داود، فإنه كان أعبد الناس» - وفيه قال -: «واقرأ القرآن في كل شهر» ، قال: قلت: يا نبي الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كل عشرين» ، قال: فقلت: يا نبي الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في عشر» ، قلت: يا نبي الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في سبع، لا تزد على ذلك» . قال: فشددت فشدد علي، وقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر» ، قال: فصرت إلى الذي قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله - صلى الله عليه وسلم -. زاد مسلم «فإن لولدك عليك حقا» .
وفي أخرى: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنك لتصوم النهار، وتقوم الليل؟» قلت: نعم، قال: «إذا فعلت ذلك هجمت له العين، ونفهت له النفس، لا صام من صام الأبد، صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله» . قلت: فإن أطيق أكثر من ذلك، قال: «فصم صوم داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى (3) » . [ص: 300] وزاد في رواية: «من لي (4) بهذه يا نبي الله» . وفي رواية نحوه، وفيه «وصم من كل عشرة أيام يوما، ولك أجر تسعة» - وفي - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا صام من صام الأبد» ثلاثا. هذه روايات البخاري ومسلم. ووافقهما أبو داود على الرواية الأولى. والنسائي على الأولى والثانية، وألفاظهم جميعهم متقاربة باتفاق المعنى. وأخرج البخاري والنسائي عنه.
قال البخاري: قال عبد الله بن عمرو: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، وكان يتعاهد كنته، فيسألها عن بعلها، فتقول له: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشا، ولم يفتش لنا كنفا مذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه، ذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «ألقني به» فلقيته بعد، فقال: «كيف تصوم؟» قلت: كل يوم. قال: «وكيف تختم؟» قلت: كل ليلة، فقال: «صم كل شهر ثلاثة أيام، واقرأ القرآن في كل شهر» . قال: قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك، قال: «صم ثلاثة أيام في الجمعة» . قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: «أفطر يومين وصم يوما» . قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: «صم أفضل الصوم، صوم داود: صيام يوم. وإفطار يوم. واقرأ في كل سبع ليال مرة» قال: فليتني قبلت رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذلك [ص: 301] أني كبرت وضعفت، وكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرؤه يعرضه من الليل، ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياما، وأحصى وصام مثلهن، كراهية أن يترك شيئا فارق عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ورواية النسائي قال: زوجني أبي امرأة، فجاء يزورنا، فقال: كيف ترين بعلك؟ قالت: نعم الرجل، لا ينام الليل، ولا يفطر النهار، فوقع بي وقال: زوجتك امرأة من المسلمين، فعضلتها، قال: فجعلت لا ألتفت إلى قوله، مما عند من القوة والاجتهاد، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال: «لكني أنا أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، فقم ونم، وصم وأفطر» - وذكر الصوم نحو ما تقدم، وقال: «اقرأ القرآن في شهر» ، ثم انتهى إلى خمس عشرة، وأنا أقول: أنا أقوى من ذلك.