الفرع الثالث: في بيان طبقات المجروحين
الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - جميعهم عدول بتعديل الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم-، لا يحتاجون إلى بحث عن عدالتهم.
وعلى هذا القول معظم المسلمين من الأئمة والعلماء من السلف والخلف.
وذهب جمهور المعتزلة إلى أن عائشة وطلحة والزبير ومعاوية. وجميع أهل العراق والشام فساق بقتالهم الإمام الحق، يعنون عليا كرم الله وجهه.
وقال قوم من سلف القدرية: يجب رد شهادة علي، والزبير، وطلحة، مجتمعين ومتفرقين، لأن فيهم فاسقا لا بعينه.
وقال قوم: تقبل شهادة كل واحد منهم إذا انفرد، لأنه لم يتعين فسقه، أما إذا كان مع مخالفه، ردت شهادته، إذ يعلم أن أحدهما فاسق.
وشك بعضهم في فسق عثمان - رضي الله عنه - وقتلته.
وكل هذا جرأة على السلف تخالف السنة، فإن ما جرى بينهم كان مبنيا على الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب (1) ، والمصيب واحد مثاب، والمخطئ معذور، لا ترد شهادته. PageV01P133
وقال قوم: ليس ذلك أمرا مجتهدا فيه، فإن قتلة عثمان والخوارج مخطئون قطعا، لكن جهلوا خطأهم، فكانوا متأولين، والفاسق المتأول لا ترد روايته، وهذا أقرب من المصير إلى سقوط تعديل القرآن للصحابة.
[تعريف الصحابة]
ثم الصحبة من حيث الوضع تنطبق على من صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو ساعة، لكن العرف يخصص الاسم بمن كثرت صحبته، ولا حد لتلك الكثرة بتقدير، بل بتقريب.
وقيل: هو من اجتمع فيه أمران. أحدهما: هذا. والآخر: أن تكون صحبته طالت معه على سبيل الأخذ عنه، والإتباع له، لأن من أطال مجالسة العالم، لا على سبيل الاستفادة والإتباع له، لا يدخل في زمرة أصحابه (1) .
ولمعرفة الصحابي طريقان: PageV01P134
أحدهما: يوجب العلم، وهو الخبر المتواتر، أنه صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم-.
والآخر: يوجب الظن، وهو إخبار الثقة والنقل الصحيح.
هذا حكم عدالة الصحابة - رضي الله عنهم - باختلاف الناس فيهم.
وأما من جاء بعدهم فالكلام فيهم يطول، ولا يخلو قوم من عدالة أو فسق، والعدالة قليلة، وأسباب الفسق كثيرة، فكل من عري عن شرط من شروط الرواية أو الشهادة التي تقدم ذكرها، فهو مجروح لا يقبل قوله.
[طبقات المجروحين]
وطبقات المجروحين كثيرة، وقد أوردنا منها في هذا الفرع عشر طبقات، ذكرها الحاكم - رحمه الله تعالى -.
الطبقة الأولى
وهي أعظم أنواع الجرح، وأخبث طبقات المجروحين: الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وقد قال - صلى الله عليه وسلم-: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» .
وهي كبيرة من الكبائر، وقد ارتكبها جماعة كثيرة، اختلفت أغراضهم ومقاصدهم في ارتكابها.
فممن ارتكبها، قوم من الزنادقة، مثل المغيرة بن سعيد الكوفي (1) ، ومحمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة (2) ، وغيرهما، وضعوا الأحاديث وحدثوا PageV01P135
بها ليوقعوا بذلك الشك في قلوب الناس.
فمما رواه محمد بن سعيد عن أنس بن مالك في قوله - صلى الله عليه وسلم-: «أنا خاتم النبيين، ولا نبي بعدي» : «إلا أن يشاء الله (1) » فزاد هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة.
ومنهم قوم وضعوا الحديث لهوى يدعون الناس إليه، فمنهم من تاب وأقر على نفسه.
قال شيخ من شيوخ الخوارج: بعد أن تاب: إن هذه الأحاديث دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا.