وفي رواية: أن عائشة قالت: لا تخبر نساءك أني اخترتك، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله أرسلني مبلغا، ولم يرسلني متعنتا» ، هذه رواية البخاري، ومسلم، والترمذي.
ولمسلم أيضا نحو ذلك، وفيه: «وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب» .
وفيه: دخول عمر على عائشة وحفصة ولومه لهما، وقوله لحفصة: «والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك، ولولا أنا لطلقك» .
وفيه: قول عمر عند الاستئذان - في إحدى المرات - يا رباح، استأذن لي، فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني أن أضرب عنقها، لأضربن عنقها، قال: ورفعت صوتي، وأنه أذن له عند ذلك، وأنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه، فأذن له، وأنه قام على باب المسجد، فنادى بأعلى صوته: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، وأنه قال له - وهو يرى الغضب في وجهه-: يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء، فإن كنت طلقتهن، فإن الله معك، وملائكته وجبريل، وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، [ص: 405] قال: وقلما تكلمت - وأحمد الله - بكلام، إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، فنزلت هذه الآية، آية التخيير: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا} .
وفيه أنه قال: فلم أزل أحدثه، حتى تحسر الغضب عن وجهه وحتى كشر فضحك - وكان من أحسن الناس ثغرا - قال: ونزلت أتشبث بالجذع وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض، ما يمسه بيده. فقلت: يا رسول الله، إنما كنت في الغرفة تسعا وعشرين؟ فقال: إن الشهر يكون تسعا وعشرين، قال: ونزلت هذه الآية: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] قال: فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الأمر، فأنزل الله عز وجل آية التخيير.
وفي رواية للبخاري ومسلم قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله، هيبة له، حتى خرج حاجا، فخرجت معه، فلما رجعنا - وكنا ببعض الطريق - عدل إلى الأراك لحاجة له فوقفت له حتى فرغ، ثم سرت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين، من اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة، فقلت: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما أستطيع، هيبة لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم، فسلني، فإن كان لي به علم خبرتك به، ثم قال عمر: والله [ص: 406] إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم، قال: فبينا أنا في أمر أتأمره، إذ قالت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا؟ فقلت لها: مالك ولما هاهنا! فيما تكلفك في أمر أريده! فقالت لي: عجبا لك يا ابن الخطاب! ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى يظل يومه غضبان؟ فقام عمر، فأخذ رداءه مكانه، حتى دخل على حفصة، فقال لها: يا بنية، إنك لتراجعين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يظل يومه غضبان؟ فقالت حفصة: والله إنا لنراجعه، فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله، وغضب رسوله؟ يا بنية، لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها، وحب رسول الله إياها - يريد عائشة - قال: ثم خرجت، حتى دخلت على أم سلمة لقرابتي منها، فكلمتها، فقالت أم سلمة: عجبا لك يا ابن الخطاب! ، دخلت في كل شيء، حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين أزواجه؟ قال: فأخذتني والله أخذا كسرتني به عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها. وكان لي صاحب من الأنصار، إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوف ملكا من ملوك غسان ذكر لنا: أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب. فقال: افتح، افتح، فقلت: جاء الغساني؟ فقال: بل أشد من ذلك، اعتزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أزواجه، فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة، فأخذت ثوبي فأخرج حتى جئت، فإذا [ص: 407] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مشربة له، يرقى عليها بعجلة، وغلام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رأس الدرجة، فقلت: قل: هذا عمر بن الخطاب، فأذن لي، قال عمر: فقصصت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث، فلما بلغت حديث أم سلمة، تبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنه لعلى حصير، ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظا مصبورا، وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه، فبكيت. فقال: ما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله؟ ! فقال: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟» .