أما التابعي إذا قال: أمرنا، فإنما يحتمل أمر الرسول، وأمر الأمة بإجماعها، والحجة حاصلة به، ويحتمل أمر الصحابة، ولكن لا يليق بالعالم أن يطلق ذلك، إلا وهو يريد من تجب طاعته، لكن الاحتمال في قول التابعي أظهر منه في قول الصحابي.
المرتبة الخامسة
أن يقول الراوي: كنا نفعل كذا، وغرضه تعريف أحكام الشرع، فإن ظاهره يقتضي أن جميع الصحابة فعلوا ذلك على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه ظهر للنبي ولم ينكره، لأن تعريف الحكم يقع به (2) .
فإن قال: كانوا يفعلون كذا، وأضافه إلى زمن رسول الله - صلى الله PageV01P095
عليه وسلم -، فهو دليل على جواز الفعل، لأن ذكره في معرض الحجة يدل على أنه أراد ما فعله الرسول أو سكت عليه، دون ما لم يبلغه، وذلك يدل على الجواز، مثل قول ابن عمر - رضي الله عنهما - «كنا نفاضل على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فنقول: خير الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فيبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا ينكره (1) وكقول أبي سعيد الخدري: «كنا نخرج على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعا من تمر في زكاة الفطر» (2) .
فأما قول التابعي: كانوا يفعلون، فلا يدل على فعل جميع الأمة، بل يدل على البعض، فلا حجة فيه، إلا أن يصرح بنقله عن أهل الإجماع، فيكون نقلا للإجماع. PageV01P096
وفي ثبوته بخبر الواحد كلام سيأتي بيانه.
وقيل: إنه إذا قال: كانوا يفعلون كذا، فإنه يفيد أن جميع الأمة فعلت ذلك، أو فعل البعض، وسكت الباقون، أو فعلوا بأجمعهم فعلا على وجه ظهر للنبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره عليهم.
وبالجملة فإن الراوي إذا قال قولا في محل الاجتهاد، فلا يلزمنا تقليده، لأنه يحتمل أنه قال عن اجتهاد، واجتهاده لا يترجح على اجتهاد غيره، أما إذا قال قولا لا محل للاجتهاد فيه، فحسن الظن يقتضي أنه ما قاله إلا عن طريق، وإذا بطل الاجتهاد تعين السماع.