قال الزهري: فأخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن، فقال: إن هذا العلم (4) ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أن الناس - إلا من ذكرت عائشة (5) ممن كان يهل لمناة - كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} الآية ... قال أبو بكر: فأسمع (6) [ص: 18] هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا في الجاهلية بين الصفا والمروة، والذين كانوا يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام، من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت (7) .
وفي رواية: «أن الأنصار كانوا - قبل أن يسلموا - هم وغسان يهلون لمناة، فتحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سنة في آبائهم، من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة، وإنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك حين أسلموا، فأنزل الله تعالى في ذلك {إن الصفا والمروة من شعائر الله} وذكر إلى آخر الآية» . أخرجه البخاري ومسلم.
ولهما روايات أخر لهذا الحديث، تجيء في كتاب الحج من حرف الحاء.
وأخرجه الترمذي والنسائي بنحو من الرواية الأولى، وهذه أتم.
وأخرجه الموطأ وأبو داود نحوها، وفيه: وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة ... الحديث. [ص: 19] وهذه الرواية قد أخرجها البخاري ومسلم، وسترد في كتاب الحج (8) .
[شرح الغريب]
(الصفا والمروة) : هما الجبلان بمكة، وهما منتهى المسعى من الجانبين.
وحقيقة الصفا في اللغة: جمع صفاة، وهي الحجر الأملس، والمروة: الحجر الرخو.
(يهلون لمناة) مناة: صنم كان لهذيل وخزاعة، بين مكة والمدينة، والهاء فيها للتأنيث، والوقف عليها بالتاء، والإهلال، رفع الصوت بالتلبية.
(يتحرجون) التحرج تفعل من الحرج، وهو الضيق والإثم، يعني: أنهم كانوا لا يسعون بين الصفا والمروة خروجا من الحرج والإثم.
(شعائر) جمع شعيرة، وهي معالم الإسلام.
(المشلل) : موضع بين مكة والمدينة، وكذلك قديد. PageV00P000
(482) (خ م ت) - عاصم بن سليمان الأحول - رحمه الله -: قال: قلت [ص: 20] لأنس: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ فقال: نعم؛ لأنها كانت من شعائر الجاهلية، حتى أنزل الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} .
وفي رواية: كنا نرى ذلك من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام، أمسكنا عنهما، فأنزل الله عز وجل، وذكر الآية.
وفي رواية قال: كانت الأنصار يكرهون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، حتى نزلت: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} . أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي (1) . PageV00P000
(483) (خ س) - مجاهد - رحمه الله -: قال: سمعت ابن عباس يقول: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله -عز وجل -لهذه الأمة: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} فالعفو: أن يقبل الرجل الدية في العمد، و {اتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} أن يطلب هذا بمعروف، ويؤدي هذا بإحسان {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} مما كتب على من كان قبلكم {فمن اعتدى بعد [ص: 21] ذلك} قتل بعد قبول الدية. أخرجه البخاري، والنسائي (1) . PageV00P000