قال الحميدي: كان البخاري يحتج بهذا الحديث، فيقول: لا تمسح الجبهة [ص: 248] في الصلاة، بل تمسح بعد الصلاة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- رئي الماء والطين في أرنبته وجبهته بعد ما صلى، وأعاد البخاري طرفا منه في الصلاة من رواية أبي سلمة عن أبي سعيد قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- سجد في الماء والطين، حتى رأيت أثر الطين في جبهته. وعند مسلم: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على سدتها حصير، فأخذ الحصير بيده، فنحاها في ناحية القبة، ثم أطلع رأسه، فكلم الناس، فدنوا منه، فقال: إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة، ثم إني اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت، فقيل [لي] : إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف، فاعتكف الناس معه، وقال: إني أريتها ليلة وتر، وأني أسجد في صبيحتها في طين وماء، فأصبح من ليلة إحدى وعشرين، وقد قام إلى الصبح، فمطرت السماء، فوكف المسجد، فأبصرت الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وروثة أنفه فيهما الطين والماء، وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر» وله في أخرى قال: «اعتكف رسول الله - صلى الله عليه وسلم- العشر الأوسط من رمضان، يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له. قال: فلما انقضين أمر بالبناء فقوض، ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر، فأمر بالبناء فأعيد، ثم خرج على الناس، فقال: يا أيها الناس، إنها كانت أبينت لي ليلة القدر، وإني خرجت لأخبركم بها، فجاء [ص: 249] رجلان يحتقان، معهما الشيطان، فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر [من رمضان] ، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة، قال: قلت: يا أبا سعيد، إنكم بالعدد أعلم منا، قال: أجل، نحن أحق بذلك منكم، قال: قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضت واحدة وعشرون، فالتي تليها: ثنتان وعشرون، فهي التاسعة، فإذا مضى ثلاث وعشرون، فالتي تليها السابعة، فإذا مضى خمس وعشرون، فالتي تليها: الخامسة» وقال في رواية مكان «يحتقان» : «يختصمان» وأخرج «الموطأ» وأبو داود والنسائي قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يعتكف العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاما، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين - وهي الليلة يخرج فيها من صبيحتها من اعتكافه - قال: من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر وقد أريت هذه الليلة، ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد من صبيحتها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر» وقال أبو سعيد: «فأمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد، قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من إحدى وعشرين» .
وأخرج أبو داود أيضا نحو رواية مسلم الآخرة، وأول حديثه قال: [ص: 250] «التمسوها في العشر الأواخر» (1) .