الفصل الرابع: في خلاصة الغرض من جمع هذا الكتاب
لما وقفت على هذه الكتب، ورأيتها في غاية من الوضع الحسن والترتيب الجميل، ورأيت كتاب «رزين» هو أكبرها وأعمها، حيث حوى هذه الكتب الستة التي هي أم كتب الحديث، وأشهرها في أيدي الناس، وبأحاديثها أخذ العلماء، واستدل الفقهاء، وأثبتوا الأحكام، وشادوا مباني الإسلام.
ومصنفوها أشهر علماء الحديث، وأكثرهم حفظا، وأعرفهم بمواضع الخطأ والصواب، وإليهم المنتهى، وعندهم الموقف. وسنعقد فيما بعد بابا يتضمن مناقبهم وفضائلهم، وإلى أين انتهت مراتبهم في هذا الفن.
فحينئذ أحببت أن أشتغل بهذا الكتاب الجامع لهذه الصحاح،
وأعتني بأمره، ولو بقراءته ونسخه، فلما تتبعته وجدته - على ما قد تعب فيه - قد أودع أحاديث في أبواب، غير تلك الأبواب أولى بها، وكرر فيه أحاديث كثيرة، وترك أكثر منها.
ثم إنني جمعت بين كتابه وبين الأصول الستة التي ضمنها كتابه، فرأيت فيها أحاديث كثيرة لم يذكرها في كتابه، إما للاختصار، أو لغرض وقع له فأهملها، ورأيت في كتابه أحاديث كثيرة لم أجدها في الأصول التي قرأتها وسمعتها ونقلت منها، وذلك لاختلاف النسخ والطرق، ورأيته قد اعتمد في ترتيب كتابه على أبواب البخاري، فذكر بعضها، وحذف بعضها.
فناجتني نفسي أن أهذب كتابه، وأرتب أبوابه، وأوطئ مقصده، وأسهل مطلبه، وأضيف إليه ما أسقطه من الأصول، وأتبعه شرح ما في الأحاديث من الغريب والإعراب والمعنى، وغير ذلك مما يزيده إيضاحا وبيانا، فاستصغرت نفسي عن ذلك، واستعجزتها (1) ، ولم يزل الباعث يقوى، والهمة تنازع، والرغبة تتوفر، وأنا أعللها بما في ذلك من التعرض للملام، للانتصاب للقدح، والأمن من ذلك جميعه مع الترك، ويأبي الله إلا أن يتم نوره، فتحققت بلطف الله العزيمة، PageV01P050
وصدقت بعونه النية، وخلصت بتوفيقه الطوية. فشرعت في الجمع بين هذه الكتب الستة التي أودعها «رزين» -رحمه الله - كتابه، وصدفت عما فعله ورتبه، فاعتمدت على الأصول دون كتابه، واخترت له وضعا يزيد (1) ، بيانه حسبما أدى إليه اجتهادي وانتهى إليه عرفاني.
هذا بعد أن أخذت فيه رأي أولى المعارف والنهى، وأرباب الفضل والذكاء، وذوي البصائر الثاقبة، والآراء الصائبة، واستشرت فيه من لا أتهمه دينا وأمانة وصدقا ونصيحة (2) ، وعرضت عليه الوضع الذي عرض لي، واستضأت به في هذا الصنع الذي سنح لي، فكل أشار بما قوى العزم، وحقق إخراج ما في القوة إلى الفعل.
فاستخرت الله تعالى، وسألته أن يجعله خالصا لوجهه، ويتقبله ويعين على إنجازه بصدق النية فيه، ويسهله، وهو المجازي على مودعات السرائر، وخفيات الضمائر.
هذا مع كثره العوائق الدنيوية، وازدحام العوارض الضرورية، وتكاثر الفوادح النفسانية، وضيق الوقت عن فراغ البال لمثل هذا المهم PageV01P051
العزيز، والغرض الشريف الذي إذا أعطاه الإنسان كله واتاه منه أيسره، وإذا قصر عليه عمره أمكنه منه أقصره، ولولا أن الباعث عليه ديني، والغرض منه أخروي، لكانت القدرة على الإلمام به واهية، والهمة عن التعرض إليه قاصرة، والعزيمة عن الشروع فيه فاترة، وإنما كان المحرك قويا، والجاذب شريفا عليا.
وأنا أسأل كل من وقف عليه، ورأى فيه خللا، أو لمح فيه زللا أن يصلحه، حائزا به جزيل الأجر وجميل الشكر، فإن المهذب قليل، والكامل عزيز، بل عديم، وأنا معترف بالقصور والتقصير، مقر بالتخلف عن هذا المقام الكبير.