[شرح الغريب]
(خير الأمور أوساطها) معناه: أن كل خصلة محمودة، فإن لها طرفين مذمومين، مثل أن السخاء وسط بين البخل والتبذير، والشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والإنسان مأمور أن يتجنب كل وصف مذموم، وتجنبه بالتعري منه، والتبعد عنه، فكلما ازداد منه بعدا ازداد منه تعريا، وأبعد الجهات والأماكن والمقادير من كل طرفين، فإنما هو وسطها، لأن الوسط أبعد الجهات من الأطراف، وهو غاية البعد عنها، فإذا كان في الوسط، فقد تعرى عن الأطراف المذمومة بقدر الإمكان، فلهذا كان خير الأمور أوساطها. PageV00P000
الكتاب الثالث: في الأمانة
(102) (خ م ت) حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثين (1) ، قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا [ص: 320] أن الأمانة (2) نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة، فقال: «ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة، فتقبض الأمانة من قبله، فيظل أثرها مثل أثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرا، وليس فيه شيء - ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله - فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت (3) ، لئن كان مسلما ليردنه علي دينه، وإن كان [ص: 321] نصرانيا أو يهوديا ليردنه علي ساعيه، وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانا وفلانا» أخرجه البخاري ومسلم والترمذي (4) .
[شرح الغريب]
جذر: الشيء: بفتح الجيم وكسرها: أصله.
الوكت: النقطة في الشيء من غير لونه.
المجل: غلظ الجلد من أثر العمل، وقيل: إنما هي النفاطات في الجلد.
منتبرا: المنتبر: المنتفخ وليس فيه شيء، وكل شيء رفع شيئا، فقد نبره، ومنه اشتق المنبر.
ساعيه: الساعي: واحد السعاة، وهم الولاة على القوم، يعني أن المسلمين كانوا مهتمين بالإسلام، فيحتفظون بالصدق والأمانة، والملوك ذوو عدل، فما كنت أبالي من أعامل: إن كان مسلما رده إلي بالخروج عن الحق عمله بمقتضى الإسلام، وإن كان غير مسلم أنصفني منه عامله. PageV00P000
(103) (خ) أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مجلس يحدث القوم، جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم: [ص: 322] بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه، قال: «أين السائل عن الساعة؟» قال: ها أنا يا رسول الله، قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة» . قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: «إذا وسد (1) الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» . أخرجه البخاري (2) .