درة الغواص في أوهام الخواص
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الأجل الأوحد الرئيس أبو محمد القاسم ابن علي الحريري رحمه الله تعالى: أما بعد حمد الله الذي عم عباده بوظائف العوارف، وخص من شاء منهم بلطائف المعارف، والصلاة على نبيه محمد العاقب، وعلى آله وأصحابه أولي المناقب فإني رأيت كثيرا ممن تسنموا أسنمة الرتب، وتوسموا بسمة الأدب، قد ضاهوا العامة في بعض ما يفرط من كلامهم، وترعف به مراعف أقلامهم، مما إذا عثر عليه، وأثر عن المعزو إليه، خفض قدر العلية، ووصم ذا الحلية.
فدعاني الأنف لنباهة أخطارهم، والكلف بإطابة أخبارهم، إلى أن أدرأ عنهم الشبه، وأبين ما التبس عليهم واشتبه، لألتحق بمن زكى أكل غرسه، وأحب لأخيه ما يحب لنفسه.
فألفت هذا الكتاب تبصرة لمن تبصر، وتذكرة لمن أراد أن يذكر، وسميته: درة الغواص في أوهام الخواص، وها أنا قد أودعته من النخب كل لباب، ومن النكت ما لا يوجد منتظما في كتاب، هذا إلى ما لمعته به من النوادر اللائقة بمواضعها، والحكايات الواقعة في مواقعها، فإن حلى بعين الناظر فيه والدارس، وأحله القادح لدى القابس، وإلا فعلى الله تعالى أجر المجتهد، وهو حسبي وعليه أعتمد.
[1] فمن أوهامهم الفاضحة، وأغلاطهم الواضحة أنهم يقولون: قدم سائر الحاج، واستوفى سائر الخراج، فيستعملون سائرا بمعنى الجميع، وهو في كلام العرب
بمعنى الباقي، ومنه قيل لما يبقى في الإناء: سؤر، والدليل على صحة ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغيلان حين أسلم وعنده عشر نسوة: اختر أربعا منهن، وفارق سائرهن، أي من بقي بعد الأربع اللاتي تختارهن.
ولما وقع سائر في هذا الموطن بمعنى الباقي الأكثر، منع بعضهم من استعماله بمعنى الباقي الأقل.
والصحيح أنه يستعمل في كل باق، قل أو كثر لإجماع أهل اللغة على أن معنى الحديث: إذا شربتم فأسئروا، أي أبقوا في الإناء بقية ماء، لا أن المراد به أن يشرب الأقل ويبقي الأكثر.
وإنما ندب إلى التأدب بذلك لان الاكثار من المطعم والمشرب منبأة عن النهم ملأمة عند العرب، ومنه ما جاء في حديث أم زرع عن التي ذمت زوجها، فقالت: إن أكل لف، وإن شرب اشتف، أي يتناهى في الشربه إلى أن يستأصل الشفافة، وهي ما يبقى من الشراب في الإناء.
ومما يدل على أن سائرا بمعنى باق ما أنشده سيبويه:
(ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه ... وسائره باد إلى الشمس أجمع)
ويشهد بذلك أيضا قول الشنفرى:
(لا تقبروني إن قبري محرم ... عليكم ولكن أبشري أم عامر)
(إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثم سائري)
فعنى كل شاعر بلفظ سائر ما بقي من جثمانه بعد إبانة رأسه.
وقد اشتملت هذه الأبيات على ما يقتضي الكشف عنه لئلا يحتضن هذا الكتاب ما يلتبس شيء منه.
أما قول الشاعر الأول: ترى الثور فيها مدخل الظل، فإنه أراد به مدخل رأسه الظل، فقلب الكلام كما يقال: أدخلت الخاتم في إصبعي.
وحقيقته إدخال الإصبع في الخاتم، وقلب الكلام من سنن العرب المأثورة وتصاريف لغاتها المشهورة، ومنه في القرآن: {ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة اولي القوة} لأن تقديره: ما أن العصبة تنوء بمفاتحه، أي تنهض بها على تثاقل.
وأما قول الشنفرى: ولكن أبشري أم عامر، فقد اختلف في تفسيره، فقيل أنه التفت عن خطاب قومه إلى خطاب الضبع، فبشرها بالتحكم فيه إذا قتل ولم يقبر، وأم عامر كنية الضبع، والالتفات في المخاطبة نوع من أنواع البلاغة وأسلوب من أساليب الفصاحة، وقد نطق القرآن به في قوله تعالى: {يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك} .