قولهم المادة مانع من درك الأشياء
فإن قيل: لأن المانع من درك الأشياء المادة ولا مادة.
قولنا المانع والمادة لا يتفقان
فنقول: نسلم أنه مانع ولا نسلم أنه المانع فقط. وينتظم قياسهم على شكل القياس الشرطي وهو أن يقال: إن كان هذا في المادة فهو لا يعقل الأشياء ولكنه ليس في المادة فإذن يعقل الأشياء. فهذا استثناء نقيض المقدم واستثناء نقيض المقدم غير منتج بالاتفاق وهو كقول القائل: إن كان هذا إنسانا فهو حيوان لكنه ليس بإنسان فإذن ليس بحيوان. فهذا لا يلزم إذ ربما لا يكون إنسانا ويكون فرسا فيكون حيوانا. نعم استثناء نقيض المقدم ينتج نقيض التالي على ما ذكر في المنطق بشرط وهو ثبوت انعكاس التالي على المقدم وذلك بالحصر وهو كقولهم: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكن الشمس ليست طالعة
فالنهار غير موجود لأن وجود النهار لا سبب له سوى طلوع الشمس فكان أحدهما منعكسا على الآخر. وبيان هذه الأوضاع والألفاظ يفهم في كتاب مدارك العقول الذي صنفناه مضموما إلى هذا الكتاب.
قولهم يتفقان
فإن قيل: فنحن ندعي التعاكس وهو أن المانع محصور في المادة فلا مانع سواه.
قولنا فما الدليل عليه؟
قلنا: وهذا تحكم فما الدليل عليه؟
قولهم الكل من فعل الأول
الفن الثاني قوله: إنا وإن لم نقل: إن الأول مريد الأحداث ولا إن الكل حادث حدوثا زمانيا، فإنا نقول: إنه فعله وقد وجد منه إلا أنه لم يزل بصفة الفاعلين فلم يزل فاعلا فلا نفارق غيرنا إلا في هذا القدر، وأما في أصل الفعل فلا، وإذا وجب الفاعل عالما بالاتفاق فعله فالكل عندنا من فعله.
قولنا ففعله لازم
والجواب من وجهين: أحدهما أن الفعل قسمان: إرادي كفعل الحيوان والإنسان، وطبيعي كفعل الشمس في الإضاءة والنار في التسخين والماء في التبريد. وإنما يلزم العلم بالفعل في الفعل الإرادي كما في الصناعات البشرية، وأما الفعل الطبيعي فلا. وعندكم إن الله فعل العالم بطريق اللزوم عن ذاته بالطبع والاضطرار لا بطريق الإرادة والاختيار، بل لزم الكل ذاته كما يلزم النور الشمس، وكما لا قدرة للشمس على كف النور ولا للنار على كف التسخين
فلا قدرة للأول على الكف عن أفعاله تعالى عن قولهم علوا كبيرا وهذا النمط وإن تجوز بتسميته فعلا فلا يقتضي علما للفاعل أصلا.