وعلى واجب الوجود
وإن عنيتم بوجوب الوجود وصفا ثابتا لواجب الوجود سوى أنه موجود لا علة لوجوده، فهو غير مفهوم في نفسه. والذي ينسبك من لفظه نفى العلة لوجوده، وهو سلب محض لا يقال فيه: إنه لذاته أو لعلة، حتى يبنى على وضع هذا التقسيم غرض، فدل أن هذا برهان من خرف لا أصل له. بل نقول: معنى أنه واجب الوجود أنه لا علة لوجوده ولا علة لكونه بلا علة، وليس كونه بلا علة معللا أيضا بذاته بل لا علة لوجوده ولا لكونه بلا علة أصلا.
ولا يطبق على الأسود فهل اللونية لذاتها أم لعلة؟
كيف وهذا التقسيم لا يتطرق إلى بعض صفات الإثبات فضلا عما يرجع إلى السلب، إذ لو قال قائل: السواد لون لذاته أو لعلة: فإن كان لذاته فينبغي أن لا تكون الحمرة لونا وأن لا يكون هذا النوع أعني اللونية إلا لذات السواد، وإن كان السواد لونا لعلة جعلته لونا فينبغي أن يعقل سواد ليس بلون أي لم تجعله العلة لونا. فإن ما يثبت للذات زائدا على الذات بعلة يمكن تقدير عدمه في الوهم، وإن لم يتحقق في الوجود. ولكن يقال: هذا التقسيم خطأ في الوضع، فلا يقال للسواد: إنه لون لذاته، قولا يمنع أن يكون ذلك لغير ذاته. وكذلك لا يقال: إن هذا الموجود واجب لذاته أو لا علة له لذاته، قولا يمنع أن يكون ذلك لغير ذاته بحال.
قولهم: لو فرضنا واجبي الوجود فإن كانا متماثلين من كل وجه يبطل تعددهما ...
مسلكهم الثاني أن قالوا: لو فرضنا واجبي الوجود لكانا متماثلين من كل وجه أو مختلفين. فإن كانا متماثلين من كل وجه فلا يعقل التعدد والاثنينية إذ السوادان هما اثنان إذا كانا في محلين أو في محل واحد، ولكن
في وقتين إذ السواد والحركة في محل واحد في وقت واحد هما اثنان لاختلاف ذاتيهما. أما إذا لم يختلف الذاتان كالسوادين ثم اتحد الزمان والمكان، لم يعقل التعدد ولو جاز أن يقال: في وقت واحد في محل واحد: سوادان، لجاز أن يقال في حق كل شخص: إنه شخصان، ولكن ليس يبين بينهما مغايرة.
$ وإن كانا مختلفين، يكونا متركبين ...
وإذا استحال التماثل من كل وجه، ولا بد من الاختلاف، ولم يمكن بالزمان ولا بالمكان، فلا يبقى إلا الاختلاف في الذات. ومهما اختلفا في شيء فلا يخلوا إما أن اشتركا في شيء أو لم يشتركا في شيء. فإن لم يشتركا في شيء فهو محال إذ يلزم أن لا يشتركا في الوجود ولا في وجوب الوجود ولا في كون كل واحد قائما بنفسه لا في موضوع. وإذا اشتركا في شيء واختلفا في شيء كان ما فيه الاشتراك غير ما فيه الاختلاف فيكون ثم تركيب وانقسام بالقول.
...