الحركة دائمة الحدوث
وقولكم: لو قدرنا حركة الإصبع مع الإصبع قديما دائما لم يخرج حركة الماء عن كونه فعلا، تلبيس، لأن الإصبع لا فعل له وإنما الفاعل ذو الإصبع وهو المريد، ولو قدر قديما لكانت حركة الإصبع فعلا له من حيث أن كل جزء من الحركة فحادث عن عدم، فبهذا
الاعتبار كان فعلا وأما حركة الماء فقد لا نقول أنه من فعله بل هو من فعل الله. وعلى أي وجه كان فكونه فعلا من حيث أنه حادث، إلا أنه دائم الحدوث وهو فعل من حيث أنه حادث.
قولهم لا تسمي هذا فعلا بل معلولا
فإن قيل: فإذا اعترفتم بأن نسبة الفعل إلى الفاعل من حيث أنه موجود كنسبة المعلول إلى العلة ثم سلمتم تصور الدوام في نسبة العلة، فنحن لا نعني بكون العالم فعلا إلا كونه معلولا دائم النسبة إلى الله تعالى فإن لم تسموا هذا فعلا فلا مضايقة في التسميات بعد ظهور المعاني.
قولنا استعمالكم لفظة "فعل" مجاز
قلنا: ولا غرض من هذه المسألة إلا بيان أنكم تتجملون بهذه الأسماء من غير تحقيق وأن الله عندكم ليس فاعلا تحقيقا ولا العالم فعله تحقيقا وأن إطلاق هذا الاسم مجاز منكم لا تحقيق له، وقد ظهر هذا.
الثالث لا يكون العالم فعل الله إذا لا يصور من الواحد إلا شيء واحد في استحالة كون العالم فعلا لله على أصلهم بشرط مشترك بين الفاعل والفعل، وهو أنهم قالوا: لا يصدر من الواحد إلا شيء واحد، والمبدأ واحد من كل وجه والعالم مركب من مختلفات، فلا يتصور أن يكون فعلا لله بموجب أصلهم.
$ قولهم بطريق التوسط ...
فإن قيل: العالم بجملته ليس صادرا من الله بغير واسطة، بل الصادر منه موجود واحد هو أول المخلوقات وهو عقل مجرد، أي هو جوهر قائم بنفسه غير متحيز يعرف نفسه ويعرف مبدأه ويعبر عنه في لسان الشرع بالملك، ثم يصدر منه الثالث ومن الثالث رابع وتكثر الموجودات بالتوسط.