لأنه مختار
فإن كان اسم الفاعل على المريد وغير المريد على وجه واحد لا بطريق كون أحدهما أصلا وكون الآخر مستعارا منه، فلم يضاف القتل إلى المريد لغة وعرفا وعقلا؟ مع أن النار هي العلة القريبة في القتل، وكأن الملقى لم يتعاط إلا الجمع بينه وبين النار. ولكن لما أن كان الجمع بالإرادة وتأثير النار بغير إرادة سمي قاتلا ولم تسم النار قاتلا إلا بنوع من الاستعارة. فدل أن الفاعل من صدر الفعل عن إرادته، وإذا لم يكن الله مريدا عندهم ولا مختارا لفعل لم يكن صانعا ولا فاعلا إلا مجازا.
قولهم نعني بكون الله فاعلا أن العالم قوامه به
فإن قيل: نحن نعني بكون الله فاعلا أنه سبب لوجود كل موجود سواه وأن العالم قوامه به، ولولا وجود البارئ لما تصور وجود العالم، ولو قدر عدم البارئ لانعدم العالم، كما لو قدر عدم الشمس لانعدم
الضوء. فهذا ما نعنيه بكونه فاعلا، فإن كان الخصم يأبى أن يسمي هذا المعنى فعلا فلا مشاحة في الأسامي بعد ظهور المعنى.
قولنا لا تقولوا إن الله "صانع" العالم
قلنا: غرضنا أن نبين أن هذا المعنى لا يسمى فعلا وصنعا، وإنما المعنى بالفعل والصنع ما يصدر عن الإرادة حقيقية. وقد نفيتم حقيقة معنى الفعل ونطقتم بلفظه تجملا بالإسلاميين، ولا يتم الدين بإطلاق الألفاظ الفارغة عن المعاني. فصرحوا بأن الله لا فعل له، حتى يتضح أن معتقدكم مخالف لدين المسلمين. ولا تلبسوا بأن الله صانع العالم وأن العالم صنعه فإن هذه لفظة أطلقتموها ونفيتم حقيقتها، ومقصود هذه المسألة الكشف عن هذا التلبيس فقط.
الثاني
إن كان العالم موجودا فلا يمكن إيجاده
في إبطال كون العالم فعلا لله على أصلهم بشرط في الفعل، وهو أن الفعل عبارة عن الأحداث، والعالم عندهم قديم وليس بحادث، ومعنى الفعل إخراج الشيء من العدم إلى الوجود بإحداثه. وذلك لا يتصور في القديم إذ الموجود لا يمكن إيجاده. فإذن شرط الفعل أن يكون حادثا، والعالم قديم عندهم، فكيف يكون فعلا لله؟
$ قولهم الوجود متعلق بالفاعل ...
فإن قيل: معنى الحادث موجود بعد عدم، فلنبحث أن الفاعل إذا أحدث كان الصادر منه المتعلق به الوجود المجرد أو العدم المجرد أو كلاهما. وباطل أن يقال: إن المتعلق به العدم السابق إذ لا تأثير للفاعل في العدم، وباطل أن يقال: كلاهما إذ بان أن العدم لا يتعلق به أصلا، وأن العدم في كونه عدما لا يحتاج إلى فاعل البتة، فبقي أنه متعلق به من حيث أنه موجود، وأن الصادر منه مجرد الوجود، وأنه لا نسبة إليه إلا الوجود. فإن فرض الوجود دائما فرضت النسبة دائمة، وإذا دامت هذه النسبة كان المنسوب إليه أفعل وأدوم تأثيرا لأنه لم يتعلق العدم بالفاعل بحال.