هذا ما يقتضيه أيضا تجدد بدن الإنسان لترد النفس إليه
وإذا عقل هذا فالإنسان المبعوث المحشور لو كان بدنه من حجر أو ياقوت أو در أو تراب محض لم يكن إنسانا بل لا يتصور أن يكون إنسانا، إلا أن يكون متشكلا بالشكل المخصوص مركبا من العظام والعروق واللحوم والغضاريف والأخلاط، والأجزاء المفردة تتقدم على المركبة فلا يكون البدن ما لم تكن الأعضاء ولا تكون الأعضاء المركبة ما لم تكن العظام واللحوم والعروق ولا تكون هذه المفردات ما لم تكن الأخلاط ولا تكون الأربعة ما لم تكن موادها من الغذاء ولا يكون الغذاء ما يكن حيوان أو نبات وهو اللحم والحبوب ولا يكون حيوان ونبات ما لم تكن العناصر الأربعة جميعا ممتزجة بشرائط مخصوصة طويلة أكثر مما فصلنا جملتها. فإذن لا يمكن أن يتجدد بدن إنسان لترد النفس إليه إلا بهذه الأمور.
وهذا محال من جميع الوجوه
ولها أسباب كثيرة: أفينقلب التراب إنسانا بأن يقال له كن؟ أو بأن تمهد أسباب انقلابه في هذه الأدوار وأسبابه هي إلقاء النطفة المستخرجة من لباب بدن الإنسان في رحم حتى يسمد من دم الطمث ومن الغذاء مدة حتى يتخلق مضغة ثم علقة ثم جنينا ثم طفلا ثم شابا ثم كهلا.
فقول القائل: يقال له كن فيكون، غير معقول إذ التراب لا يخاطب وانقلابه إنسانا دون التردد في هذه الأطوار محال. وتردده في هذه الأطوار دون جريان هذه الأسباب محال فيكون البعث محالا.
اعتراضنا هذا لا بد منه ولو في زمان طويل
والاعتراض أنا نسلم أن الترقي في هذه الأطوار لا بد منه حتى يصير بدن الإنسان كما لا بد منه حتى يصير الحديد عمامة فإنه لو بقي حديدا لما كان ثوبا بل لا بد وأن يصير قطنا مغزولا ثم منسوجا. ولكن ذلك في لحظة أو في مدة ممكن ولم يبن لنا أن البعث يكون في أوحى ما يقدر إذ يكون جمع العظام وإنشاز اللحم وإنباته في زمان طويل وليس المناقشة فيه.