فتكون عاجزة عن الاتصال بالملائكة
أحدهما أنها تمنعها عن لذتها الخاصة بها وهو الاتصال بالملائكة والإطلاع على الأمور الجميلة الإلهية ولا يكون معه البدن الشاغل فيلهيه عن التألم كما قبل الموت.
وعن اللذة الجسمانية
والثاني أنه يبقى معه الحرص والميل إلى الدنيا وأسبابها ولذاتها وقد استلب منه الآلة فإن البدن هو الآلة للوصول إلى تلك اللذات فيكون حاله حال من عشق امرأة وألف رئاسة واستأنس بأولاد واستروح إلى مال وابتهج بحشمة فقتل معشوقه وعزل عن رئاسته وسبي أولاده ونساؤه وأخذ أمواله أعداؤه وأسقط بالكلية حشمته فيقاسي من الألم ما لا يخفى، وهو في هذه الحيوة غير منقطع الأمل عن عود أمثال هذه الأمور فإن الدنيا غاد ورائح فكيف إذا انقطع الأمل بفقدان البدن بسبب الموت.
فالأولى أن يعرض عن الدنيا
ولا ينجي عن التضمخ بهذه الهيئات إلا كف النفس عن الهوى والإعراض عن الدنيا والإقبال بكنه الجد على العلم والتقوى حتى تنقطع علائقه عن الأمور الدنيوية وهو في الدنيا وتستحكم علاقته مع الأمور الأخروية، فإذا مات كان كالمتخلص عن سجن فالواصل إلى جميع مطالبه فهو جنته.
لكن الضرورات البدنية جاذبة إليها
ولا يمكن سلب جميع هذه الصفات عن النفس ومحوها بالكلية فإن الضرورات البدنية جاذبة إليها، إلا أنه يمكن تضعيف تلك العلاقة ولذلك قال تعالى: "وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا". إلا أنه إذا ضعفت العلاقة لم تشتد نكاية فراقها وعظم الالتذاذ بما اطلع عليه عند الموت من الأمور الإلهية فأماط أثر مفارقة الدنيا والنزوع إليها على قرب، كمن يستنهض من وطنه إلى منصب عظيم وملك مرتفع فقد ترق نفسه حالة الفراق على أهله ووطنه فيتأذى أذى ما ولكن ينمحى بما يستأنفه من لذة الابتهاج بالملك والرئاسة.