مبادىء الاستعدادات فيها غرائب وعجائب
فقد انفتح من هذا أن مبادىء الاستعدادات فيها غرائب وعجائب حتى توصل أرباب الطلسمات من علم خواص الجواهر المعدنية وعلم النجوم إلى مزج القوى السماوية بالخواص المعدنية فاتخذوا أشكالا من هذه الأرضية وطلبوا لها طالعا مخصوصا من الطوالع وأحدثوا بها أمورا غريبة في العالم فربما دفعوا الحية والعقرب عن بلد والبق عن بلد إلى غير ذلك من أمور تعرف من علم الطلسمات.
لماذا لا يحصل هذا في أقرب زمان فتكون معجزة؟
فإذا خرجت عن الضبط مبادىء الاستعدادات ولم نقف على كنهها ولم يكن لنا سبيل إلى حصرها فمن أين نعلم استحالة حصول الاستعداد في بعض الأجسام للاستحالة في الأطوار في أقرب زمان حتى يستعد لقبول صورة ما كان يستعد لها من قبل وينتهض ذلك معجزة؟ ما إنكار هذا إلا لضيق الحوصلة والأنس بالموجودات العالية والذهول عن أسرار الله سبحانه في الخلقة والفطرة، ومن استقرأ عجائب العلوم لم يستبعد من قدرة الله ما يحكى من معجزات الأنبياء بحال من الأحوال.
اعتراض إذا حددتم المحال هكذا
فإن قيل: فنحن نساعدكم على أن كل ممكن مقدور لله وأنتم تساعدون على أن كل محال فليس بمقدور، ومن الأشياء ما يعرف استحالتها ومنها ما يعرف إمكانها ومنها ما يقف العقل فلا يقضي فيه باستحالة ولا إمكان. فالآن ما حد المحال عندكم؟ فإن رجع إلى الجمع بين النفي والإثبات في شيء واحد فقولوا إن كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا فلا
يستدعي وجود أحدهما وجود الآخر.
فالله قادر على خلق المحال
وقولوا إن الله يقدر على خلق إرادة من غير علم بالمراد وخلق علم من غير حيوة ويقدر على أن يحرك يد ميت ويقعده ويكتب بيد مجلدات ويتعاطى صناعات وهو مفتوح العين محدق بصره نحوه ولكنه لا يرى ولا حيوة فيه ولا قدرة له عليه، وإنما هذه الأفعال المنظومة يخلقها الله تعالى مع تحريك يده والحركة من جهة الله، وبتجويز هذا يبطل الفرق بين الحركة الاختيارية وبين الرعدة فلا يدل الفعل المحكم على العلم ولا على قدرة الفاعل.