ذم من أوصى بما ليس له من ماله
قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن لك من مالك الثلث والثلث كثير. وقال: لا نذر في معصية الله ولا وصية في مال الغير. وقيل لميمون بن مهر: إن رقية أعتقت كل مولاة لها عند موتها فقال: إنهم يعصون في أموالهم مرتين، يبخلون بها وهي في أيديهم حتى إذا صارت لغيرهم أسرفوا فيها.
الحث على أن يكون الإنسان وصي نفسه
. قيل: كن وصي نفسك ولا تجعل الرجال أوصياءك واعلم صدق الذي يقول:
ولا يغررك من توصي إليه ... فقصر وصية المرء الضياع
وفي الزهديات بعض ما أوصى به الصالحون
ذكر الحسن عن بعضهم لما حضرته المنية قيل له: أوص. فقال: أوصيكم على المحافظة بآخر سورة النحل: إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون
«1» . وقيل لهرم بن حيان: أوص. قال: مالي من مال فقد صدقتني في الحياة نفسي، ولكني أوصي بخواتيم سورة البقرة.
وقيل لعمر بن عبد العزيز: أوص لبنيك. فقال: أوصي بهم الذي أنزل الكتاب وهو يتولى الصالحين.
من أوصى بشر عند موته وذكر قساوة قلبه
لما حضرت وكيعا الوفاة دعا بنيه فقال: يا بني إن قوما سيأتونكم قد قرحوا جباههم وعرضوا لحاهم يدعون أن لهم عند أبيكم دينا فلا تقضوهم فإن أباكم قد حمل من الذنوب ما إن غفرها الله له لم تضره هذه وإلا فهي معها.
ولما حضرت سعد بن زياد الوفاة جمع ولده وقال: يا بني أوصيكم بالناس شرا
كلموهم نزرا وأطعنوهم شزرا ولا تقبلوا لهم عذرا، أقصروا الأعنة واشحذوا الأسنة وكلوا القريب يرهبكم البعيد. ولما حضرت الفرزدق الوفاة قال لقومه:
أروني من يقوم لكم مقامي ... إذا ما الأمر جل عن العتاب «1»
إلى من تفزعون إذا حثيتم ... بأيديكم علي من التراب «2»
فقالت مولاة له: إلى الله تعالى، فقال: أتتكلمين على غيري، وأنت تعيشين في مالي؟ أمحو اسمها وكتبها من الوصية.
وقيل للحطيئة: أوص يا أبا مليكة، قال: نعم أخبروا الشماخ أنه أشعر العرب، فقيل أوص للمساكين، فقال: أوصيهم بالإلحاف في المسألة، قيل: أعتق عبدك فلانا، قال: هو عبد ما بقي على ظهر الأرض وعتيق إذا صار في بطنها، فقيل: أوص فإن لك بنات قال:
مالي للذكور دون الإناث، فقالوا له: إن الله لم يقل كذا قال: أنا أقوله، قيل: فأوص للأيتام بشيء، قال: كلوا أموالهم وانكحوا أمهاتهم. ثم قال: احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قط، وويل للشعر من رواة السوء.
وكان دريد بن الصمة قد عاش أربعمائة سنة فلما نزل به الموت قال لولده: أوصيكم بالناس شرا، طعنا لزا وضربا أزا، وإن أردتم المحاجزة فقبل المناجزة، أقصروا الأعنة وأطيلوا الأسنة وأرعوا الكلأ، ثم قال:
اليوم هيي لدريد بيته ... يا رب بهت حسن حويته «3»
ومعصم ذي مرة لويته ... لو كان للدهر بلى أبليته
أو كان قرني واحدا كفيته «4»
قال إسماعيل بن قيس: دخلنا على معاوية في مرضه الذي مات فيه، فقال: هل الدنيا إلا ما جربنا لوددت أني لا أقيم فيكم ثلاثا حتى ألقى الله، فقلنا: إلى رحمة الله.
فقال: إلى ما شاء الله. إني لم آل فيكم إذ وليتكم فإن الله لو كره أمرا غيره. قال ابن عيينة: هذا والله الاغترار، ألم تكن مقاتلته عليا وقتله حجرا وبيعته ليزيد مما يكره الله تعالى؟