ذم من حسن مقاله وقبح فعاله
قال النبي صلى الله عليه وسلم: سيكون بعدي أقوام يعطون الحكمة على المنابر وقلوبهم أنتن من الجيفة. وقال سليمان بن عبد الملك لبلال بن أبي بردة: صف لي الحجاج فقال: كان يتزين بزينة المومسة فإذا صعد المنبر تكلم بكلام القسيسين وينزل فيعمل بعمل الفراعنة، وقال شاعر:
إذا نصبوا للقول قالوا فأحسنوا ... ولكن حسن القول خالفه الفعل
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها ... أفاويق حتى ما يدر لها رسل «1»
وقال:
قلوبهم أمر من دفل ... ولفظهم أحلى من العسل «2»
المتبجج بتقواه رقاعة
صلى رجل بحضرة الشعبي فأطال، فقال الشعبي: ما أحسن صلاته فلما سلم الرجل، قال: وأنا مع هذا صائم. وقال ذو اليمينين لأبي بكر المروزي: مذ كم صرت إلى العراق؟ قال: مذ عشرين سنة وأنا أصوم مذ ثلاثين سنة.
تنسك كل صنف من الناس
قال الجاحظ: لكل صنف من الناس نسك، فنسك الخصي غزو الروم، ونسك الخراساني الحج، ونسك المغني كثرة التسبيح والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وشرب النبيذ، ونسك الرافضي ترك النبيذ وزيارة المشهد، ونسك السوادي ترك شرب المطبوخ، ونسك المتكلم رمي الناس بالجبر والتعطيل والزندقة، ونسك المخنث أن يصير دلال النسوة.
وقيل: إذا نسك الشريف تواضع أو الوضيع تكبر.
رقاعة الجهال في زمن العلماء بالبدعة
رفع إلى المأمون سبعمائة قصة في بشر المريسي تشهد بكفره فجمعهم يوما وقال لهم: ما الذي ظهر من كفره؟ قالوا: قوله ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك، فقال المأمون: قد شهد الله بهذا. فقال شيخ منهم هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: وحاج موسى إبراهيم، فقال له: على من قرأت القرآن؟ قال على أبي وكان يقرأه بسبعة ألسن.
وسئل رجل كان يشهد على رجل بالكفر عند جعفر بن سليمان، فقال: إنه خارجي معتزلي ناصبي حروروي جبري رافضي يشتم علي بن الخطاب وعمر بن أبي قحافة وعثمان بن أبي طالب وأبا بكر بن عفان ويشتم الحجاج الذي هدم الكوفة على أبي سفيان، فقال جعفر: ما أدراك على أي شيء أحسدك، أعلى علمك بالأنساب أم بالأديان أم بالمقالات.
وقال الصاحب: رأيت يوما جماعة مجتمعين على رجل يضربونه ويقولون يجب أن يقتل فسألتهم ما فعل، فقال كل: لا أدري. كان المنصور أمر أبا دلامة أن يلازم صلاة الجماعة ويترك البطالة، فقال:
ألم تعلمي أن الخليفة لزني ... بمسجده والقصر مالي وللقصر «3»
يكلفني من بعد ما شبت توبة ... يحط بها عني العظائم من وزري «1»
وما ضره والله يصلح أمره ... لو أن ذنوب العالمين على ظهري
وقال:
وجفاني الأمير كي أتقرا ... فتقرأت مكرها لجفائه «2»
والذي أنطوي عليه المعاصي ... علم الله نيتي من سمائه