الحث على تغطية سوء الحال بإجادة الثياب
قال بعض الحكماء: كن أحسن ما تكون في الظاهر حالا أقل ما تكون في الباطن مآلا فالكريم من كرمت عند الخصاصة «3» خلته، واللئيم من لؤمت عند الحاجة طعمته.
وكان بعض القرشيين إذا اتسع لبس أرث ثيابه وإذا افتقر لبس أحسنها ويقول: إذا اتسعت تزينت بالهبة، وإذا افتقرت تزينت بالهيئة.
النهي عن الملابس المشهورة وما لا يليق بلابسه ومدح الاقتصاد
قال النبي صلى الله عليه وسلم: من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب ذل يوم القيامة. وقال عمر رضي الله عنه: إياكم أن تلبسوا ألبسة مشهورة أو محقورة. وقال خالد: إلبسوا من الثياب ما تستحسنه الملوك والسوقة، فإن تغيرت بأحدكم حال لم يعلم به أحد. وقيل:
إلبس ما لا يزدريك به السفهاء ولا يعيبك به العلماء.
قال العلوي:
ليس لبس الطيالس ... من لباس الفوارس «1»
لا ولا حومة الوغا ... كصدور المجالس
نهي من يداخل السلاطين عن الثياب الفاخرة
قال دهقان «2» لابنه: إياك إذا نلت منزلة من السلطان أن تلبس ما يديم نظره إليك، واعلم أن الوشي لا يلبسه إلا أحمق أو ملك، وعليك بالبياض اللين فكل أبيض عندهم ثوب. وحكي أن الشيخ الأمين عباد بن العباس كان له جبات كثيرة كلها عنابي على لون واحد، يخدم بها ركن الدولة الحسن بن بويه، فقال يوما لحاشيته: أنظروا إلى نظافته يلبس جبة كذا كذا سنة لا يغيرها ولا يبليها.
وقيل: أراد عمرو بن مسعدة يوما الركوب إلى السلطان في ثياب وشي، فقال له نوح بن إبراهيم: لا تفعل، فقال: لم لا أفعل وغلتي كل شهر كذا؟ فقال إبراهيم غلتك مسموعة وجبتك ملحوظة.
من لبس المعاوز من الصالحين
قيل: كان أويس يلتقط الخرق من المزابل فيخيطها ويلبسها. وعمر رضي الله عنه رؤي عليه قميص فيه اثنتا عشرة رقعة وهو يخطب. وقال أبو أويس الخولاني: قلب نقي في ثوب دنس أحب من قلب دنس في ثوب نقي. وكان لعمر رضي الله عنه قميص قيمته أربعة دراهم، فقال: إني أخشى أن أسأل عن لينه يوم القيامة، فبكى سالم غلامه وقال له:
رأيتك قبل الخلافة لبست ثوبا بأربعين دينارا فاستحسنته. فقال: يا سالم إني كنت لم أنل شيئا إلا طلبت ما فوقه فلما نلت الخلافة علمت أن ليس فوقها إلا الجنة فدعني أطلبها.
وقال رجاء بن حيوة قومت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو خليفة بإثني عشر درهما قميصه وخفه وعمامته وسراويله وقلنسوته.