المتبجح منهم بالصبر على الضرب
قال أبو معن الزنجي: وكان النظام يقول لو ادعى النبوة وأن معجزته الصبر على الضرب بالسياط لأدخل عليهم به شبهة عظيمة.
وقال عثمان الخياط: ضربته يوما بشمراخ «1» رطب فالتوى إلتواء الحية وكاد يواثبني.
فقلت: أهذا صبرك؟ فقال: إنك لم تتعمد أحسبت أن صبري على السياط طبيعة إنما هو الكظم والصبر على قدر النظارة ألا ترى أنه قيل: أصبر الناس من ضرب في السجن خمسين سوطا لأنه إذا لم يكن من يمدحه تألم وإذا كان بين الناس بحيث يرونه فهو العزم والمروءة والقيام بالفتوة.
وقال بعضهم ضربت بالمدينة ثلاثين حدا على ثلاثين سكرا فما قلت: حس، وإن أحدكم ليتألم من دون حد.
قيل لبعضهم: من أصبر من رأيت؟ قال: عرفت صبر الهند على النيران وصبر الأعراب على مد الأعناق لسيوف السلطان وصبر السند على قطع الآذان وجدع الأنوف ولم أر أصبر من الفتيان تحت الضرب والثاني ربما يزهق في ألف درهم وعنده عشرة آلاف فيضرب سوطا أو سوطين فيخرج عن أهله وعشيرته.
فعل الطرارين
«2» أتى بعضهم بزازا «3» في غدوة وهو فارس مع غلام فقال: إئتني بجراب بلخي وجراب مروي وعجل وخذ الثمن فأخرج ذلك وساومه وأطمع التاجر. وقال: ائتني بآخر فلما دخل الحانوت قال: ما أضيع متاعكم وأنتم تسخرون بالناس لو أن إنسانا أخذ متاعك هذا وقفل الباب هكذا ما كنت تفعل. فحرك التاجر الباب يظن أنه يلعب فإذا هو قد مر إلى الساعة.
ودخل آخر على قوم فقال أحدهم: ما في الدنيا أعجب من فلان ترمي بخاتمك في الهواء فإن شئت أتاك به وإن شئت بغيره. فقال أنا أريكم ما هو أعجب من هذا. هاتوا خواتيمكم فأخذها كلها فجعلها في أصابعه وجعل يمشي القهقرى ويصفر، وينظر إلى عين الشمس حتى غاب عن أعينهم فطلبوه فلم يجدوه. فقالوا: هذا والله أعجب.
وصلى بعضهم مع قوم فلما سجدوا تناول نعلا كأنه يريد أن يقتل عقربا فضرب بها ثم الآخر بيساره كأنه يريد أن يتناولها فيرمي بها ويعود إلى الصلاة فمر بالنعل.
واكترت امرأة دارا ثم أظهرت أنها تريد تجصيصها لأنها تريد أن تزوج فيها ابنها، فأكترت أجراء وأخذت من الجيران آلات وجمعت متاع الاجراء والآلات في بيت ثم ذهبت.
وقال بعضهم: دخلت مسجدا مع صاحب لي فنام صاحبي ووضع عنده عمامته فإذا أنا برجل قد دخل فأخذ العمامة وجعل يضحك في وجهي وهو واضع سبابته على فمه كأنه يقول: أسكت وجعل يتراجع القهقرى وأرى أنه يلاعبنا فمر فانتبه صاحبي. فقلت: كان كذا، فطلبناه فلم نجده.