القيام للصديق الزائر
كان الأحنف مستندا إلى سارية في المسجد وحده، فأقبل بعض إخوانه فتنحى له عن مجلسه، فقال: يا أبا بحر ما عندك من أحد ولا مجلسك ضيق فلم تنحيت؟ قال: كرهت أن تظن أني لم أهش لزيارتك ومجيئك فشكرت ذلك بأقرب ما حضرني من الإكرام. وقال محمد بن يزيد. حضر بعض الناس مجلس كبير فنهض له فقال له في ذلك، فقال:
لئن قمت ما في ذاك عندي غضاضة ... لدي لأني للشريف مذلل «1»
على أنه مني لغيرك هجنة ... ولكنه مثلي لمثلك يجمل «2»
وقال غيره:
فلما بصرنا به ماثلا ... حللنا الحبا وابتدرنا القياما «3»
فلا تنكرن قيامي له ... فإن الكريم يجل الكراما
كراهة القيام
أقبل معاوية وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر جالسان، فقام ابن عامر ولم يقم ابن الزبير، فقال معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ أمقعده من النار، وقال صلى الله عليه وسلم: لا يقومن الرجل لغيره من مجلسه ثم يجلسه فيه.
وقيل: الكراهة في أن يقعد الرجل ويقيم الناس بين يديه.
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به
(1) ما جاء في أوصاف الهوى وأحوال العشاق
ماهية العشق
سئل بعض الفلاسفة عن العشق فقال: جنون إلهي، لا محمود ولا مذموم. وسئل عنه آخر فقال: حركة النفس الفارغة. قال شاعر:
هل الحب الأزفرة بعد زفرة ... وحر على الأحشاء ليس له برد
وفيض دموع العين يامي كلما ... بدا علم من أرضكم لم يكن يبدو
وقال بعض الصوفية: الهوى محنة امتحن الله بها خلقه يستدل به على طاعة خالقهم ورازقهم. وقيل لبعضهم: ما العشق؟ فقال: ارتياح في الخلقة وفرح يجول في الروح وسرور ينساب في أجزاء القوى.
وقال العيني: سألت أعرابيا عن الهوى فقال: هو أظهر من أن يخفى، وأخفى من أن يرى، كامن كمون النار في الحجر، إن قدحته أورى وإن تركته توارى. وسئل يحيى بن معاذ عن حقيقته فقال: الذي لا يزيده البر ولا ينقصه الجفاء.