التعفف عن التعرض لأخدان الندماء
كان بعض الفضلاء ينادم صديقا له فعشقته امرأته، فتعرضت له فامتنع عليها، وقال:
رب حسناء كالمهاة تهادى ... قد دعتني لوصلها فأبيت «2»
لم يكن بي تحرج غير أني ... كنت ندمان زوجها فاستحيت
وقال آخر:
إني على ما في من ... عهد الشبيبة والغضارة
لأغض من طرفي فيأ ... منني النديم على الستارة
وكفى بعيب ذلك ما حكى الله تعالى: قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم
«3» .
المعيب بتعرضه لحرم نديمه
قال بعضهم لنديم رآه يرمق بعض حرمه:
كل هنيئا وما شربت مريئا ... ثم قم صاغرا وغير كريم
لا أحب النديم يرمق با ... لعين إذا ما انتشى لعرس النديم «4»
المتبجح بالتعرض للندماء
قال المهدي لعمارة بن حمزة: من أرق الناس شعرا، قال: والبة بن الحباب، قال:
صدقت. قال عمارة: وما يمنع أمير المؤمنين من منادمته وهو شاعر ظريف، قال: يمنعني منه قوله:
قلت لساقينا على خلوة ... ادن كذا رأسك من راسي
وأدن وضع صدرك لي ساعة ... إني امرؤ أنكح جلاسي
أفتريد أن تكون جليسه.
ولبعض الخاسرين:
لا أبغض منادمي إن نكته ... إني لنيك منادمي معتاد
وكذاك لست ألومه إن ناكني ... فلقد علمت كما أكيد أكاد
العربدة
قال الأصمعي: العربدة حية تنفخ ولا تؤذي، ومنه قيل لمعربد بوجهه خموش: ما هذه الكلوم؟ قال: آثار الكلام. وكان رجل معربد له يسار، وكان إذا عربد على واحد أعطاه خمسمائة درهم، فقال لإنسان: هل لك أن تنادمني؟ قال: على أن تعربد علي عربدة نحو مائتين، فإني لا أقوى على عربدة خمسمائة. وقال الحسين بن خليع: نادمت يوما إبراهيم بن المهدي فسكر وعربد علي، فدعا بالنطع والسيف، فتكلم في أصحابه فتجافى عني، ثم تأخرت عنه فدعاني، فكتبت إليه:
أمير غير منسوب ... إلى شيء من الحيف «1»
سقاني مثل ما يش ... رب فعل الحر بالضيف
فلما دارت الكاس ... دعا بالنطع والسيف
كذا من يشرب الراح ... مع التنين في الصيف «2»
فدعاني وأرضاني.
ثم كان المأمون يضاحك إبراهيم بهذه الأبيات ويولع بها.
وسئل عبيد الله بن محمد عن طنبوري له، فقال: هو بليد حديد عربيد أن حث عثر وإن أمسك قصر، وان ابتدأ غلط، وإن اقترح عليه سخط، وإن دعي مطل وإن ترك تطفل.
وقيل: صاحب السكر يصير إما إلى قردية وهو الذي يضحك ويرقص ويحاكي، أو إلى كلبية وهو الذي يهارش، أو إلى خنزيرية وهو الذي يتقيأ ويخرأ ويتلوث فيه، أو إلى إنسانية وهو الذي يحسن خلقه. ولبعضهم يصف معربدا:
إذا انتشى خاصم في الدين وإن ... صادف إنسانا يماريه «3»
ويدعى الشرب ويهذي به ... والقدح الواحد يكفيه
يحبس كاس القوم في كفه ... حتى إذا قالوا له إيه «4»
أفضل ثلث الكاس في قعرها ... ومج ثلث الكاس من فيه
وقال أبو نواس:
ومعربد أبرزته ... للريح إذ سب الندامى
أغلقت بابي دونه ... وتركته يرعى الخزامى «1»
ويضاد ذلك ما حكى أنه أتى العريان بشارب، فقال من أنت؟ قال أنا القائل:
إذا صدمتني الكاس أبدت محاسني ... ولم يخش ندماني على صدمها جهلي
فقال العريان: أنعم الله بك عينا، وقال لصاحبه: إحمله على دابتك وبلغه منزله.