الإنخراط في سلك الشرب والصحب
جلس المتوكل مع جماعة، وفيهم يحيى بن أكثم، فلما شرب الناس ثلاثة أرطال، أمر يحيى بالإنصراف، فقال له: ولم يا أمير المؤمنين؟ فقال لأنا قد خلطنا، فقال: أحوج ما يكون إلى قاض إذا خلطتم، فاستظرفه المتوكل وأمر أن تغلف لحيته بالغالية، ففعل، فقال: ضاعت الغالية وكان هذا يكفيني دهرا، فأمر بزورق من الغالية ودرج بخور، فجعلا في كمه.
طيب المدام بطيب الندام
قيل لأعرابي كم تشرب من النبيذ؟ فقال: مقدار النديم
وقال أبو نواس:
الراح طيبة وليس تمامها ... ألا بطيب خلائق الجلاس
وقال آخر:
إنما تستعذب الرا ... ح بأخلاق النديم
وقال العطوي:
تصفو الزجاجة بالنديم إذا صفا ... ويكدر الندمان صفو الراح
وقال آخر:
يقولون قبل الدار جار موافق ... وقبل الطريق النهج أنس رفيق
فقلت وندمان الفتى قبل كاسه ... وما حث كاس اللهو مثل صديق
وقال آخر في صديق استطاب مجالسته:
يا ليلة لست أنسى طيبها أبدا ... كأن كل سرور حاضر فيها
باتت وبت وبات الزق ثالثنا ... حتى الصباح تسقيني وأسقيها
كأن سود عناقيد بلمتها ... أهدت سلافتها صرفا إلى فيها «1»
إختيار عدد الندمان
قال منصور الفقيه:
فليدع منها خمسة ... متخيرين ولا يزد
فدوين هذا وحشة ... وفويقه سوق الأحد
وقال آخر في المعنى:
إذا ما جاوز الندمان خمسا ... برب البيت والساقي اللبيب
فأير في حر أم فتى دعانا ... وأير في حر أم فتى مجيب
طرح الحشمة في المنادمة ومراعاتها
جاء محمد بن حماد إلى ابن الجنيد، فقال: يقول لك أمير المؤمنين المعتصم تهيأ لمزاملتي، قال: كيف أتهيأ؟ قال: إذا زاملته فإياك أن تبزق أو تمخط أو تتثاءب أو تسعل أو تعطس، فقال ابن الجنيد: ارجع إليه وقل له: في حر أم من يزاملك على هذا الشرط، فلما رجع إليه ضحك واستدعاه، فقال: آمرك بمزاملتي فتراسلني بذلك، فقال: إن هذا الأحمق شرط علي شروطا يهرب منها الشيطان، فإن رضيت أن تفسو علي وأفسو عليك وإلا فلست بصاحبك.
وقيل لبعضهم: ما العيش؟ فقال: طرح الحشمة وترك الطب. قال إسحاق
الموصلي: كانت الخلفاء من بني أمية لا يظهرون للندماء والمغنين، وكان بينهم وبين ندمائهم ستارة، وكان بنو العباس يظهرون ثم احتجبوا عنهم، ولم ير أبو جعفر قط يشرب إلا الماء، وكان المهدي في أول أمره يحتجب متشبها بمن قبله ثم ظهر لهم، وقال: اللذة في مشاهدة السرور والدنو من الأحباب.