من تركها تفاديا من ذم الناس
قال بعضهم: تركت كثيره لله تعالى إجلالا وقليله للناس جمالا. وعوتب بعضهم على تركه، فقال: لو علمت أن الماء ينقص من مروءتي ما ذقته. قال الوليد للحجاج: هل لك في الشراب؟ فقال: لا يا أمير المؤمنين وليس بحرام ما أحللته، ولكني أمنع أهل عملي منه وأخاف أن أخالف قول العبد الصالح، وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، فأعفاه.
وسأل المنصور أبا بكر الهذلي عن النبيذ، فقال: تمادت فيه السفهاء حتى كرهته العلماء.
ذمها بأنها تدعو إلى الفسق
قال الله تعالى: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون
«1» مرت أعرابية بقوم يشربون نبيذا فسقوها فلما شربت أقداحا اعترتها أريحية، فقالت: أيشرب هذا نساؤكم، قالوا: نعم، قالت: إذا زنين ورب الكعبة، فما يدري أحدكم من أبوه. قال جحظة:
لم يبلغ الشيخ إبليس إرادته ... حتى تكاثف في عنقوده العنب
سئل عبد الله بن إدريس عن الشرب، فقال: إشرب ما لا يشربك.
قدر الشرب وزمنه
قال المأمون: إشرب النبيذ ما استبشعته، فإذا استطبته فدعه. سئل أبو محمد بن عبد الله عن شرب الربيع، فقال: ربيع أهل المروآت وميدان اللذات، وفي إدمانه ذهاب الفطنة وفي تركه فقد السرور. قيل: فما تقول في محادثة الرجال؟ قال: روضة لا يجف نورها وغدير لا ينضب ماؤه وجوهر لا يصلح إلا للملوك، قال شاعر:
شرب النبيذ على الطعام ثلاثة ... فيها الشفاء وصحة الأبدان
وقيل: القدح الأول يكسر العطش والثاني يمرىء الطعام والثالث يفرح النفس، وما زاد على ذلك فضل. وقال قتيبة لقاضي مرو: بلغني أنك تشرب، قال: أجل، قال: فكم تشرب قال: ما بل الثفل «2» وطيب النفس وأغنى عن الماء. قال فما أبقيت منه؟ قال: أكثره وأخبثه التكاءة على الشمال ومنادمة الرجال والاختلاف إلى المبال «3» وقال بعض الظرفاء: للنبيذ حدان، حد لا هم فيه وحد لا عقل فيه، فعليك بالأول واتق الثاني، وقال ابن المقفع:
سأشرب ما شربت على طعامي ... ثلاثا ثم أتركه صحيحا
فلست بقارف منه أثاما ... ولست براكب منه قبيحا