الغداء والعشاء
قيل: العشاء متخمة وتركه مهرمة، وقال بقراط: من تعود العشاء ثم تركه التبس عليه طبعه. وقال عمر رضي الله عنه لابنه: لا تخرج يا بني من منزلك حتى تأخذ حلمك يعني حتى تتغدى.
دعا الحجاج رجلا إلى غدائه. فقال: قد أكلت، فقال له الحجاج: إنك لتباكر الغداء، فقال الرجل: لخلال ثلاث إن نوجيت لم يوجد من فمي خلوف، وإن شربت شربت على ثفل، وإن حضرت قوما أكلت ومعي بقية من عرضي.
وقيل: خبر الغداء بواكره فقيل: أمحمود ذلك في كل وقت؟ فقال: نعم إذا كان شتاء فلطول الليل وإذا كان صيفا فلبرد الماء وقلة الذباب. واستدعى رجل الغداء، فقيل له:
اصبر حتى تطلع الشمس فقال: أنتظر بغدائي قادما من وراء خراسان. وقيل: خير الغداء بواكره وخير العشاء سوافره، أي أن تأكل وعليك ضوء.
وسأل رجل الحسن عمن يأكل مرة، فقال: أكل الصالحين، فقيل: مرتين. فقال غداء وعشاء أكل التجار، فقيل: ثلاث مرات، فقال: ذاك حمار يبنى له آري «1» .
ذم الشبع والإكثار من الأكل وحمد الإقلال منه
قال النبي صلى الله عليه وسلم: إياكم والبطنة فإنها مفسدة للبدن مورثة للسقم مكسلة عن العبادة.
وقال صلى الله عليه وسلم: الرغب شؤم، وقيل: الموت جوعا خير من الحياة شبعا. وقال ذو الرياستين: ما عجبت لإتفاق الأطباء على ثلاث كلمات، قال طبيب الروم: كل قليلا ولا تكن عليلا.
وقال طبيب فارس: كل قصدا لا تلق من الكظة جهدا، وقال طبيب الهند: كل قدرا لا تضيق به صدرا.
وقيل: صحة الجسم قلة الطعم، وصحة الروح اجتناب الإثم. وجاء رجل إلى أبي مسلم فقال: أعطيك دواء تأكل معه ما شئت فلا يضرك، فقال: لا حاجة لي فيه فقبيح بالإنسان أن يدخل المستراح في كل يوم أكثر من مرة، وقبيح به أن يحن في الشهر أكثر من مرة.
وقال الخليل: أثقل ساعاتي ساعة آكل فيها. وقال مالك بن دينار: وددت أن رزقي حصاة أمصها فقد ضجرت من كثرة تردادي إلى الخلاء.
وقال تعالى: والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم
«1» .
وقال صلى الله عليه وسلم: ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان ولا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس.
وفي كتاب كليلة ودمنة: ليعد من البهائم من همته بطنه وفرجه. وكانت العرب تسمي الشبع أبا الكفر. وقيل: إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة. البطنة تذهب الفطنة.
قيل: لا تسكن الحكمة بطنا مليء طعاما. من الكرم تنزيه القرم. وقيل: الشبع داعية البشم والبشم داعية السقم والسقم داعية الموت، ومن مات هذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة.
قال الحسن: مسكين ابن آدم صريع الشبع أسير الجوع.
قال شاعر:
وإن امتلاء البطن في جسد الفتى ... قليل غناء، وهو في الجسم صالح
وقال طرفة في عمرو بن هند:
ويشرب حتى يغمر المحض قلبه ... وإن أعطه أترك لقلبي مجثما «2»
وباع مالك بن دينار جارية فزارته يوما، فقال: كيف ترين مواليك؟ فقالت: ما أكثر خير بيوتهم، فقال: أخبرتني عن عمران حشوشهم.
وقال يحيى بن معاذ: من أكل حتى شبع عوقب بثلاث، يلقي الغطاء على قلبه والنعاس على عينيه والكسل على جسمه. وقال بشر الحافي:- من ضبط بطنه فقد ضبط الأعمال الصالحة كلها. وقال بشر بن الحارث: لا تعود نفسك الشبع من الحلال فتدعوك إلى الحرام. وسأله رجل عن غسل الجمعة، فقال: أغسل بطنك يكفيك عن غسل بدنك.